في كانون الثاني ٢٠٢٥، نشر الحساب الرسمي لدولة إسرائيل على منصة إكس منشوراً عن امرأة لم تتولَّ يوماً منصباً عاماً، ولم تُدِر ميزانية، ولم تُوجَّه إليها تهمة في أيّ قضاء، وكانت في التاسعة من عمرها حين توفّي والدها.
قال المنشور إنّ زهوة عرفات تملك ثمانية مليارات دولار. وقال إنّها تملك عقارات راقية في أنحاء لندن. وقال إنّها تعيش في باريس. وقال إنّها مع ذلك مؤهَّلة، وفق معايير الأونروا، لصفة اللاجئة ولتلقّي أموالها، وقدّمها دليلاً على طريقة عمل الوكالة.
لنبدأ بالجزء القابل للتحقّق. زهوة عرفات لا تعيش في باريس. هي تقيم في مالطا منذ طفولتها، وهي واقعة مثبتة في برقيات الوكالات، وفي تعليقات صور وكالة الصحافة الفرنسية المُرسَلة من منزل والدتها، وفي مقابلات والدتها المسجَّلة على مدى أكثر من خمسة عشر عاماً. وقد نالت شهادتها الجامعية الأولى من جامعة مالطية. وإذا كانت أسهل تفصيلة قابلة للتحقّق في ادّعاء من أربع جمل خاطئةً، فمن حقّ القارئ أن يسأل: أيّ عناية بُذلت في الجمل الثلاث الأخرى؟

لا وجود لأيّ سجلّ عام — لا إقرار، ولا قيد في سجلّ، ولا وثيقة محكمة، ولا تدقيق، ولا مصدر مسمّى — يسند رقم الثمانية مليارات المنسوب إلى هذه المرأة. ولا دليل على أنّها تملك عقاراً في لندن. ولا دليل على أنّها تلقّت دولاراً واحداً من الأونروا. يبدو أنّ الرقم دخل التداول عبر وسائل التواصل، ثمّ ضخّمه حساب رسميّ لدولة يتابعه الملايين، ثمّ أُعيد إنتاجه في مقاطع إنستغرام ومنشورات ثريدز ومقالات سابستاك وصفحات «الثروة الصافية» التي لا وجود لها إلا لتحويل الفضول إلى عائد إعلاني. وحين سأل المستخدمون روبوتات الدردشة التحقّق منه، راوغت الآلات: وصفت الرقم بغير المؤكَّد، ثمّ أشارت إلى «تقديرات موثوقة» بالملايين — وهذه بحدّ ذاتها عملية تبييض: يُخفَّض التلفيق المحدَّد، لكنّ الفرضية الكامنة تحته، أي أنّ هذه المواطنة الخاصة تجلس على مساعدات فلسطينية مسروقة، تنجو من التصحيح سليمة.
هكذا يبدو التشهير في عام ٢٠٢٦. ليس افتراءً واحداً، بل طبقةً رسوبية — ادّعاءً يُكرَّر حتى يصير التكرار نفسه دليله.
الشكل ٥ تشريح ادّعاء
أربع دعاوى بحقّ مواطنة خاصة
نُشِرت في كانون الثاني ٢٠٢٥ عن الحساب الرسمي لدولة إسرائيل بشأن زهوة عرفات — مواليد ١٩٩٥، بلا منصب عام، ولم تُتّهم بشيء في أيّ مكان.
Billionaire, real estate owner, and eligible for UNRWA funds: Zahwa Arafat, the daughter of Yasser Arafat, is worth $8 billion, thanks to the “Palestinian aid” she inherited from her father. She owns prime real estate across London, lives in Paris, yet, according to UNRWA’s standards, she is considered a refugee and eligible to receive funds. This is how UNRWA operates.
عرض المنشور الأصلي على منصة إكس · نصّ المنشور مثبّت حرفياً بلغته الأصلية بوصفه الوثيقة موضع الفحص.
تملك ثمانية مليارات دولار
لم تُقدَّم قطّ أيّ وثيقة أو قيد سجلّ أو تدقيق أو حكم قضائي أو مصدر مسمّى.
بلا دليلتملك عقارات راقية في لندن
لم يُقدَّم أيّ سند ملكية أو سجلّ شركة أو عنوان.
بلا دليلتعيش في باريس
هي تقيم في مالطا منذ طفولتها. صور وكالات من منزل العائلة في مالطا ٢٠١١ و٢٠١٢؛ مقابلات عائلية من ٢٠٠٩ إلى ٢٠٢٥؛ وشهادة جامعية مالطية.
خاطئ — وقابل للتحقّقتستحقّ أموال الأونروا بوصفها لاجئة
لم يُقدَّم دليل على أنّها سجّلت لدى الأونروا أو تقدّمت إليها أو تلقّت منها شيئاً.
بلا دليلالمنشور ما زال متاحاً للعلن. ولم يصدر أيّ تصحيح.
وقصّة تشكُّل هذه الطبقة قصّة فلسطينية، وهي ليست قصّة بسيطة. ليست حكاية امرأتين بريئتين ظلمهما الغرباء. إنّها حكاية أزمة حقيقية في المالية العامة الفلسطينية، وإخفاق حقيقي في المحاسبة، والطريقة التي صار بها اسم امرأة هو المكان الذي دُفن فيه ذلك الإخفاق بدل أن يكون المكان الذي نُبش منه.
أولاً: ما هو مثبَت فعلاً
على أيّ رواية أمينة أن تبدأ بالاعتراف بالجزء الموثَّق، لأنّ متانة التشهير مستمدّة تحديداً من قربه من شيء صحيح.

المال العام الفلسطيني في عهد ياسر عرفات لم يُحاسَب عليه كما يجب. وهذه ليست نقطة دعائية إسرائيلية، بل خلاصة المؤسسات التي دعاها الفلسطينيون أنفسهم. ففي أيلول ٢٠٠٣ صرّح ممثّل صندوق النقد الدولي المقيم في الضفة الغربية وغزة علناً بأنّ نحو تسعمئة مليون دولار من إيرادات السلطة الفلسطينية وُجِّهت بين ١٩٩٥ و٢٠٠٠ إلى حساب خاص تحت سيطرة عرفات الشخصية بدل أن تدخل الخزينة. وجاء المال من تحويلات الضرائب الإسرائيلية ومن احتكارات السلطة على الإسمنت والوقود والسجائر. وأضاف الصندوق تحفّظاً مهمّاً لا يكاد يُقتبس إلى جانب الرقم الصادم: أنّ معظم هذا المال كان مستثمراً في أصول فلسطينية، وأنّ وزير المالية الإصلاحي سلام فيّاض كان قد أعاده إلى السيطرة العامة وقت التدقيق.
وبالتوازي، تتبّع تدقيقٌ جنائيّ كلّفته وزارة المالية في عهد عرفات نفسه، وقاده محاسبون أميركيون، محفظةً استثمارية سرّية تقارب المليار دولار — حصص في مصنع تعبئة في رام الله، ومشغّل خلوي تونسي، وصناديق استثمار مخاطر في الولايات المتحدة وجزر كايمان. ونشر فيّاض تفاصيل المحفظة بدل أن يدفنها.
إذن: قيادة وطنية أدارت ماليّتها كإقطاعة شخصية، بلا شفافية، عقداً كاملاً. ودفع الفلسطينيون الثمن، في مدارس لم تُبنَ ورواتب لم تُدفَع، وفي نهاية المطاف في السلطة الأخلاقية التي فقدتها الحركة الوطنية. ومن يريد الدفاع عن سهى عرفات بإنكار هذا السجلّ سيخسر النقاش في أوّل جولة، ومن حقّه أن يخسره.
لكن انتبه إلى ما يثبته السجلّ وما لا يثبته. يثبت أنّ ياسر عرفات سيطر على أموال كان ينبغي أن تكون في الخزينة. ويثبت أنّ معظم الجزء المتتبَّع استُردّ بإصلاحات فيّاض. لكنّه لا يثبت أين ذهب الباقي غير المتتبَّع، ولا يثبت في أيّ موضع أنّ سهى عرفات تحتفظ به.
وتلك الفجوة — بين إخفاق مؤسسي موثَّق واتّهام شخصي بلا وثيقة — هي المكان الذي يعيش فيه التشهير كلّه.
ثانياً: نَسَب الرقم
تتبّع أرقام المال المنسوبة إلى سهى عرفات على مدى عشرين عاماً، فلن تجد تحقيقاً، بل لعبة «الهاتف المكسور».
الشكل ١ دفتر الأرقام
ما قيل إنّ سهى عرفات تتقاضاه
مبالغ شهرية مزعومة تداولتها الصحافة بين ٢٠٠٣ و٢٠٢٠. الشخص نفسه، والفترة نفسها، والعملة نفسها.
مجلة أميركية، تشرين الثاني ٢٠٠٤ — «مطلعون على مالية عرفات»
تلفزيون أميركي، ٢٠٠٣ — مسؤولون إسرائيليون، ثمّ مسؤول فلسطيني لم يُسمّ
صحافة عربية، ٢٠١١ — دون إسناد؛ وقد نفته تحديداً
سهى عرفات، الشرق الأوسط ٢٠١١ — وصفته بمعاش منظمة التحرير، زائد الإيجار
سهى عرفات، قناة كان الإسرائيلية ٢٠٢٠ — الرواية نفسها بعد تسع سنوات
فارق ستة عشر ضعفاً. من المستحيل أن تكون كلّها صحيحة.
جُمعت من تقارير الوكالات والبث المعاصرة، ٢٠٠٣–٢٠٢٠.
مئة ألف دولار شهرياً. هذا هو الرقم الحامل، الذي يستند إليه كلّ ما سواه. دخل التداول الواسع في تشرين الثاني ٢٠٠٣ عبر تحقيق تلفزيوني أميركي عن مالية عرفات، مسنَداً إلى مسؤولين إسرائيليين. ثمّ نسبت وكالات الأنباء الرقم نفسه إلى مسؤول رفيع لم يُسمَّ في مكتب عرفات. ولم يُرفَق قطّ بكشف مصرفي، ولا بأمر تحويل، ولا ببند موازنة، ولا بمصدر مسمّى مستعدّ للوقوف خلفه. وأُعيد نشره في مئات المقالات بوصفه واقعة ثابتة.
مئتا ألف دولار شهرياً. ضاعفته مجلة أميركية في تشرين الثاني ٢٠٠٤ وهي تغطّي معركة الخلافة، مسنَداً إلى «مطّلعين على مالية عرفات» لم يُسمَّوا.
اثنان وعشرون مليون دولار سنوياً. ينسب هذا الرقم إلى مسؤولين فلسطينيين لم يُسمَّوا في الأسابيع الفوضوية بعد وفاة عرفات، ويصف تسوية يُفترض أنّها أُبرمت مع الأرملة من حسابات سرّية. وأُعيد تدويره منذ ذلك الحين، بما في ذلك على لسان منظمات لرصد الإعلام تقدّمه بوصفه حقيقة مكتومة ترفض الصحافة العالمية نشرها. ولم يُقدِّم أحد نصّ الاتفاق.
خمسون ألف دولار شهرياً. تداولته الصحافة العربية نحو ٢٠١١. ونفته علناً وتحديداً.
اثنا عشر ألف دولار شهرياً، زائد الإيجار. هذه روايتها هي، قالتها مسجَّلةً لصحيفة عربية تصدر في لندن عام ٢٠١١، وكرّرتها لقناة إسرائيلية عام ٢٠٢٠ حين ذكرت عشرة آلاف يورو. ووصفتها بأنّها المعاش المستحقّ لرئيس منظمة التحرير وحركة فتح، يُدفع لأرملته، مع تغطية السلطة تكاليف سكنها.
ضع هذه الأرقام جنباً إلى جنب. الفارق بين أدناها وأعلاها شهرياً يزيد على ستة عشر ضعفاً. من المستحيل أن تكون كلّها صحيحة. ومع ذلك فهي في السجلّ العام لا تتنافس — بل تتعايش، يُستشهد بكلّ منها حيث يكون أنفع، ولا يُسحَب أيّ منها أبداً. والرقم الوحيد في السلسلة الذي يأتي بمصدر مسمّى مستعدّ لأن يُساءل عنه هو أصغرها، وقد قدّمته المتَّهمة.
ولا سبيل أميناً إلى القول ما هو الرقم الصحيح. ربّما كان هناك فعلاً مخصّص أكبر بكثير من اثني عشر ألفاً في سنوات باريس؛ فامرأة تسكن الدائرة السادسة عشرة لم تكن تعيش على معاش متواضع. لكنّ النقطة أضيق وأصعب على الإفلات منها: بعد عقدين، لم يستطع أحد خارج قسم الحسابات في منظمة التحرير أن يقدّم وثيقة واحدة. واتّهامٌ بهذه الدقّة، يتكرّر بهذا القدر، من أطراف تملك هذه القدرة على التحقيق، ولا يزال بلا دليل — إنّما يخبرك شيئاً عن الأطراف.
وأبلغ مثال واحد هو الفندق. نُشر على نطاق واسع أنّها شغلت طابقاً كاملاً في فندق باريسي من خمس نجوم أكثر من عام، بكلفة قيلت مرّة اثني عشر ألفاً ونصف اليورو ومرّة ستة عشر ألف دولار لليلة. قال الفندق إنّها لم تنزل فيه قطّ. ونُشر النفي. ولم يغيّر ذلك شيئاً. كانت التفصيلة أحلى من أن يُتخلّى عنها — أوضح صورةً، وأسهل تخيّلاً، وأدقّ معايرةً لإغضاب عائلة في جباليا — لمجرّد أنّ الطرف الوحيد القادر على المعرفة قال إنّها غير صحيحة.
وصنفُ الفندق نفسه سافر مبكراً، وصعد إلى الطبقات العليا. ففي عام ٢٠٠٦، في الأسابيع التي وضع فيها فوزُ حماس الانتخابي المعونةَ الغربية للفلسطينيين على الطاولة، كتب ديفيد فروم — كاتب خطابات البيت الأبيض السابق، والباحث المقيم يومها في معهد «أميركان إنتربرايز» — مقالاً موجّهاً إلى القارئ الكندي بعنوان «لماذا ندعم التطرّف الفلسطيني؟» يدعو فيه إلى إعادة النظر في معونة كندا البالغة خمسة وعشرين مليون دولار سنوياً. وكان معروضُه الأول هو الأرملة: فهي، «بحسب ما يُروى»، تشغل أحد آخر البيوت الخاصة في شارع سانت أونوريه، و«تحتفظ بجناح استقبال في فندق بريستول المجاور، حيث تبدأ الغرفة من ٩٥٥ دولاراً لليلة» — ليخلص المقال إلى أنّ لمال المعونة استخداماتٍ أفضل «من دعم أنماط الحياة الباذخة أو القتل الإرهابي». الكلمة التي يقوم عليها البناء كلّه هي «بحسب ما يُروى»: لا وثيقة، ولا مصدر مسمّى، بل رواسبُ تغطية ٢٠٠٣–٢٠٠٤ معادٌ تدويرها كما هي، حتى عنوان الشارع وسعر الغرفة في فندقٍ سبق أن نفت إدارتُه نزولَها فيه أصلاً. لاحِظ التاريخ، ولاحِظ الوظيفة: فقبل تسعة عشر عاماً من أن يقدّم حسابُ دولةٍ ملياراتِ الابنة المخترعةَ دليلاً على «طريقة عمل الأونروا»، كانت فواتيرُ فندقِ الأم التي لا مصدر لها تُقدَّم، من أحد أكثر مراكز الأبحاث نفوذاً في واشنطن، حجّةً لوقف تمويل الفلسطينيين. خطابُ قطع المعونة لم يعثر على القصة مصادفة؛ بل مدّ يده إليها عامداً. والمقال لا يزال منشوراً على موقع المعهد، من دون تصويب.
ثالثاً: التحقيق الذي لم يصر قضية
في تشرين الأول ٢٠٠٣ فتحت نيابة باريس تحقيقاً أوّلياً في تحويلات بلغت نحو أحد عشر مليوناً ونصف المليون دولار من مؤسسة سويسرية إلى حسابين تملكهما سهى عرفات في فرنسا. وصار الأمر علنياً في شباط ٢٠٠٤ حين نشرته أسبوعية ساخرة، فدار حول العالم في يوم.

وكان كلّ ما أوحت به التغطية تقريباً مخالفاً لما جرى فعلاً.
فقد حرص المسؤولون الفرنسيون آنذاك على وصف حدود التحقيق. كان أوّلياً. ولم تشارك فيه الشرطة. ولم يُفتح تحقيق رسمي، لأنّ عتبة فتحه — أي الجزم بأنّ الأموال ذات مصدر غير مشروع — لم تتحقّق. وكانت الإحالة قد نشأت عن تفتيش لمصرف فرنسا وإشارة روتينية من هيئة مكافحة تبييض الأموال. وقالت النيابة إنّها ستعرف خلال أشهر إن كان ثمّة أساس للمضيّ.
لم تُوجَّه إليها تهمة قطّ. ولم يُفتح تحقيق رسمي أبداً. ولا لائحة اتّهام، ولا محاكمة، ولا حكم، ولا حجز أموال، ولا أيّ قرار معلن من أيّ نوع طوال العقدين التاليين. التحقيق ببساطة يتوقّف عن الظهور في السجلّ.
تأمّل ما يحدث لسمعةٍ في ذلك الصمت. فتحُ تحقيق أوّلي صنع عناوين عالمية. وتبخّرُه لم يصنع شيئاً. وفي الذاكرة العامة ينهار التسلسل إلى انطباع واحد — خضعت لتحقيق في غسيل أموال — وهو صحيح، ويؤدّي عملياً وظيفة الإدانة. صار بإمكان كلّ مقال لاحق أن يستشهد بالتحقيق. ولا يلزم أيّ مقال أن يذكر أنّه لم يُنتج شيئاً، لأنّ اللاشيء ليس خبراً.
وكان ردّها آنذاك هجومياً، وكاشفاً في وجه واحد. فهي لم تنكر وصول أموال إلى حساباتها. بل سألت ما الغريب في أن يرسل زوج مالاً إلى زوجته، وقالت إنّ المال وصل بطريقة قانونية، وعرضت الإجابة عن أيّ سؤال عن مصدره وأوجه إنفاقه. واتّهمت أيضاً أرييل شارون بدفع التسريب لصرف الأنظار عن تحقيقات الفساد التي كانت تحاصر نجليه — وهي تهمة خدمت مصلحتها، وصادف أنّها تصف سمة حقيقية في تلك اللحظة. وكلا الأمرين يمكن أن يكون صحيحاً. فتوقيت التسريب ليس دفاعاً عن مضمونه؛ ومضمون التسريب ليس دفاعاً عن توقيته.
رابعاً: تونس — الجزء الذي ليس تشهيراً
أيّ مقال يعامل سهى عرفات ضحيةً خالصة لن يصمد أمام تونس، والقارئ الفلسطيني يستحقّ أفضل من مرافعة تنهار عند أوّل استجواب.
الشكل ٢ الادّعاء في مواجهة السجل
ما أُعلن، وما ثَبَت فعلاً
ستة ادّعاءات صاغت الذاكرة العامة عن مالية عائلة عرفات.
خضعت سهى عرفات لتحقيق في غسيل الأموال في فرنسا
تحقيق أوّلي فُتح في تشرين الأول ٢٠٠٣. وقال مسؤولون فرنسيون إنّ شرط المصدر غير المشروع لم يتحقّق. لا تحقيق رسمي، ولا تهمة، ولا قرار معلن — أبداً.
أقامت في طابق كامل بفندق باريسي خمس نجوم
أفاد الفندق بأنّها لم تنزل فيه قطّ. ونُشر النفي. واستمرّ الادّعاء يُتداول دون تغيير.
تلقّت ١٠٠ ألف دولار شهرياً من المال الفلسطيني
لم يُقدّم طوال اثنتين وعشرين سنة أيّ كشف مصرفي أو أمر تحويل أو بند موازنة أو مصدر مسمّى.
زهوة عرفات تملك ٨ مليارات وعقارات في لندن
لا وثيقة ولا قيد سجلّ ولا تدقيق ولا حكم قضائي. والمنشور نفسه يضعها في باريس؛ وهي تقيم في مالطا منذ طفولتها.
صدرت بحقّها مذكرة توقيف تونسية
صحيح. صدرت في تشرين الأول ٢٠١١ بشأن مشروع مدرسة خاصة مع محيط عائلة بن علي — مسألة تجارية تونسية، لا مالاً عامّاً فلسطينياً.
تحويل ٩٠٠ مليون دولار من الإيرادات، ١٩٩٥–٢٠٠٠
صحيح، وفق صندوق النقد الدولي. إلى حساب يسيطر عليه ياسر عرفات. واستُردّ معظم الجزء المتتبّع في إصلاحات سلام فياض.
المصادر: بيانات النيابة الباريسية ٢٠٠٣–٢٠٠٤؛ صندوق النقد الدولي ٢٠٠٣؛ وزارة العدل التونسية ٢٠١١.
بعد وفاة زوجها انتقلت إلى تونس، حيث كان مقرّ منظمة التحرير في المنفى. وفي ٢٠٠٦ مُنحت الجنسية التونسية وصارت حاضرة إلى جانب ليلى الطرابلسي، زوجة الرئيس، التي كانت عائلتها الممتدّة قد استولت على حصّة كبيرة من الاقتصاد التونسي. وأسّستا معاً مدرسة دولية في قرطاج. لم يكن هذا سلوك شخص على مسافة من السلطة؛ بل سلوك شخص يفهم تماماً كيف يتحوّل القرب من عائلة حاكمة إلى فرصة تجارية، في تونس كما في غيرها.
ثمّ ساءت الأمور. اختلفت المرأتان — يُقال بسبب تحرّك الطرابلسي ضدّ مدرسة منافسة. وتسجّل برقية دبلوماسية أميركية أفرجت عنها ويكيليكس لاحقاً لقاءَ سهى عرفات بالسفير الأميركي وحديثها بازدراء لافت عن العائلة الحاكمة، واصفةً رئيساً يفعل ما تمليه عليه زوجته. وفي ٢٠٠٧ جرّدها مرسوم رئاسي من جنسية لم تحملها سوى أقلّ من سنة. وأُعلنت شخصاً غير مرغوب فيه وطُردت. فذهبت إلى مالطا، حيث كان شقيقها سفيراً لفلسطين.
وبعد الثورة التي أطاحت بن علي، بدأت السلطات التونسية الجديدة ملاحقة مئات القضايا المرتبطة بالنظام القديم. وفي تشرين الأول ٢٠١١ أصدرت مذكرة توقيف دولية باسمها في ما يتعلّق بالمدرسة. وروايتها، التي قدّمتها فوراً وبثبات: أنّها ضخّت ثلاثمئة ألف دينار اقترضتها من مصرف تونسي، وسدّدت القرض، وباعت حصصها لابنة أخت الطرابلسي، وحقّقت ثلاثين ألف دينار من الصفقة. وقالت إنّ لديها وثائق، وإنّها وكّلت محامياً تونسياً، وإنّها ستقدّمها.
تلك المذكرة ليست تلفيقاً، ولا ينبغي وصفها كذلك. لكنّ معناها شُوِّه بصورة منهجية، في الاتّجاهين معاً.
فهي تُستخدم روتينياً دليلاً على أنّها نهبت مساعدات فلسطينية. وهي ليست كذلك. إنّها تخصّ مشروعاً تجارياً خاصاً في بلد ثالث، مموَّلاً بحسب روايتها بقرض من مصرف تونسي، في قضاء كان آنذاك يصدر المذكّرات بالمئات ضدّ كلّ من تعامل مع عشيرة الطرابلسي، وقد وجّهت إليه منظمات حقوقية دولية منذ ذلك الحين انتقادات بشأن هذا النوع تحديداً من توظيف القضاء. لقد كانت، بالتتابع، مستفيدةً من محسوبية ذلك النظام، ثمّ هدفاً لانتقامه، ثمّ متّهمةً في حملة الثورة عليه. الثلاثة صحيحة. وليس أيّ منها حكماً في شأن المال العام الفلسطيني.
خامساً: من أراد هذه الرواية، وماذا اشترت له
التشهير ليس خطأً. إنّه منتَج، وللمنتَج مشترون. وقد كان لهذا المنتَج أربعة.
الشكل ٣ سوق الرواية
أربعة مشترين، وما حصل عليه كلّ منهم
التشهير ليس خطأً، بل منتَج؛ وللمنتَج مشترون.
٢٠٠٢–٢٠٠٤
الحكومة الإسرائيلية
ما أُدخِل إلى التداول
الاستخبارات العسكرية تُبلِغ الكنيست أنّ عرفات يسيطر على ١٫٣ مليار. ومسؤولون إسرائيليون هم مصدر رقم المئة ألف شهرياً.
ما اشتراه لهم
يحوّل قيادة وطنية إلى عصابة. ومتى صارت الحركة عصابة، يسقط السؤال عمّا تستحقّه سياسياً.
٢٠٠٤–اليوم
الحرس القديم في السلطة وفتح
ما أُدخِل إلى التداول
أضخم الأرقام وأقلّها إسناداً — ٢٢ مليوناً سنوياً، «مئات الملايين موروثة» — تُنسَب إلى مسؤولين فلسطينيين لا إسرائيليين.
ما اشتراه لهم
يُحَيّد أرملة انتقدت فساد السلطة علناً، وتحكّمت بالوصول إلى الرئيس المحتضر، وتعرف مواقع الحسابات.
٢٠٠٧–٢٠١١
تونس بن علي
ما أُدخِل إلى التداول
تُجرّدها من الجنسية بمرسوم بعد انتقادها العائلة الحاكمة أمام السفير الأميركي، ثمّ يلحق اسمها بحملة ما بعد الثورة.
ما اشتراه لهم
يتخلّص من ضيفة مزعجة، ثمّ يمنح العالم وثيقة قضائية تبدو للوهلة الأولى دليلاً على كلّ ما عداه.
من ٢٠١٠ حتّى اليوم
اقتصاد المحتوى
ما أُدخِل إلى التداول
صفحات «الثروة الصافية»، منشورات فيروسية، موسوعات تولّدها الآلة. حساب رسمي يضع ٨ مليارات أمام الملايين بلا كلفة.
ما اشتراه لهم
إيرادات وتفاعل، وردّ دائم جاهز على كلّ من يقول إنّ فلسطينيي غزة بحاجة إلى طعام.
تحليل. الإسنادات وفق التقارير المذكورة في المقال.
المشتري الأوّل كانت الحكومة الإسرائيلية بين ٢٠٠٢ و٢٠٠٤. كانت تلك حقبة عقيدة «لا شريك» — القول إنّه لا يوجد محاور فلسطيني يمكن التوصّل معه إلى تسوية، وبالتالي لا تفاوض أصلاً. كان عرفات محاصراً في مقرّ مقصوف في رام الله. وأبلغت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الكنيست أنّه يسيطر شخصياً على ١٫٣ مليار دولار؛ ووصف مسؤولون فلسطينيون ذلك بمحاولة لتشويهه، وهو ما كان، سواء كان للرقم أساس أم لا. وكان المسؤولون الإسرائيليون مصدر رقم المئة ألف شهرياً. وأدّى إطار الفساد عملاً محدّداً: حوّل قيادةً وطنية إلى مشروع إجرامي، وحركةً وطنية إلى عصابة. وما إن يتمّ هذا التحويل حتى يتوقّف السؤال عمّا يستحقّه الفلسطينيون سياسياً. وكانت الزوجة في باريس الوسيلة المثالية — لا تتطلّب تحليلاً استراتيجياً، بل صورة فوتوغرافية فحسب.
المشتري الثاني كان داخل البيت الفلسطيني. وهذا هو الجزء الذي يحتاج القارئ الفلسطيني أكثر ما يحتاج إلى الجلوس معه، لأنّه الجزء الذي تلتقي عنده الروايتان الإسرائيلية والفلسطينية ولا ترغب أيّ منهما في تفحّصه.
كانت سهى عرفات مشكلةً للحرس القديم في السلطة قبل وفاة زوجها بوقت طويل. فقد نددت بالفساد والمحسوبية وانتهاكات حقوق الإنسان الفلسطينية علناً ومراراً، من موقع حصانة غير معتادة. وحين كان زوجها يحتضر في مستشفى عسكري فرنسي، كانت هي من يتحكّم بالوصول إليه جسدياً — إذ منحها القانون الفرنسي لخصوصية المرضى، لا السلطة، القول الفصل — واتّهمت خلفاءه على الهواء بمحاولة دفنه حيّاً. وتصف تقارير تلك الفترة موفدين عرضوا عليها تسوية بمليوني دولار رفضتها، وصراعاً على ما تعرفه عن مواقع الحسابات.
كانت أرملةٌ تملك معلومات عن مالية منظمة التحرير وأظهرت استعداداً لاستخدام الميكروفون تهديداً حيّاً لرجال كان انكشافهم أكبر من انكشافها بكثير. وكان تشويهها استباقياً رخيصاً وفعّالاً ودائماً. وليس مصادفةً أنّ بعض أضخم الأرقام في الأرشيف كلّه وأقلّها إسناداً — الاثنين والعشرين مليوناً سنوياً، و«مئات الملايين الموروثة» — منسوبةٌ إلى مسؤولين فلسطينيين لم يُسمَّوا لا إلى إسرائيليين. وحين انتقدت السلطة علناً مجدّداً عام ٢٠٢٠، قالت صراحةً إنّها تخشى قطع مخصّصاتها انتقاماً.
وكان حافز الحرس القديم مباشراً. فكلّ ساعة يقضيها الجمهور الفلسطيني في السؤال عمّا تملكه سهى عرفات هي ساعة لا يسأل فيها عمّا يملكه محمد رشيد، أو عمّا آل إليه الجزء غير المتتبَّع من التسعمئة مليون، أو لماذا لم تنشر أيّ مؤسسة فلسطينية كشف حساب كاملاً قطّ. كانت مانعة صواعق، ومانعات الصواعق تُركَّب عن قصد.
المشتري الثالث كانت تونس بن علي، التي طردتها بمرسوم لإهانتها العائلة الحاكمة، ثمّ وجدت في اسمها بعد الثورة إضافةً مريحة إلى قائمة.
والمشتري الرابع هو الآلة التي نعيش داخلها جميعاً اليوم. فتشهير العشرينيات لا يؤلّفه أحد بعينه. إنّه ناتج اقتصادِ محتوى تُنتَج فيه صفحات «الثروة الصافية» عن أشخاص بلا أيّ ملفّ مالي عام بالجملة لأنّ حركة البحث تدرّ مالاً؛ ويستطيع فيه حساب دولة أن يضع رقم ثمانية مليارات بلا مصدر أمام الملايين بلا كلفة؛ ثمّ يُعاد ترميز الادّعاء في مداخل موسوعية تولّدها الآلة وإجابات روبوتات تعيد إنتاج الإطار وهي تخفّف الرقم بلطف. التصحيح دائماً أصغر من الادّعاء، ويصل دائماً متأخّراً.
سادساً: الاختلال الذي يفضح اللعبة
وهنا التفصيلة التي ينبغي أن تُنهي النقاش لأيّ قارئ منتبه.
الشكل ٤ الاختلال
مَن أمسك المال؟ ومَن يحمل التهمة؟
العمودان مستمدّان من المادة الصحفية نفسها — بما فيها أشدّها عداءً.
ياسر عرفات
السيطرة على المال
- صندوق النقد: ٩٠٠ مليون دولار إلى حساب تحت سيطرته الشخصية، ١٩٩٥–٢٠٠٠
- تدقيق جنائي: محفظة استثمارية سرية تقارب المليار
- الموقِّع الوحيد على احتكارات الإسمنت والوقود والتبغ
كيف يُذكَر
- زاهد. مقتصد. عاش في مقرّ مقصوف.
- رئيس سابق للصندوق القومي: لا بيت ولا بستان ولا حساب شخصي.
- ومتّهموه أنفسهم شهدوا بتقشّفه.
سهى عرفات
السيطرة على المال
- لا صلاحية مالية. لا حقّ توقيع. لا منصب.
- لم تُتّهم قطّ، في أيّ مكان، بأخذ مال عامّ فلسطيني.
- ولم يُقدَّم أيّ كشف مصرفي قطّ.
كيف تُذكَر
- التسوّق. الفندق. عروض الأزياء.
- شعرها المكشوف. ملابسها الغربية.
- حكم جارة، نُشر في صحيفة أميركية: باريس والمال يفعلان ذلك بالمرء.
المصادر: صندوق النقد الدولي ٢٠٠٣؛ تدقيق كلّفته وزارة المالية الفلسطينية؛ تقارير أميركية وإسرائيلية معاصرة.
الرجل الذي سيطر فعلاً على المال يُذكَر زاهداً. وهذا ليس اختراعاً فلسطينياً — إنّه شهادة متّسقة في التغطية الصحفية، بما فيها أشدّها عداءً. فالتحقيق التلفزيوني الأميركي نفسه الذي اتّهم عرفات بتحويل مليار دولار لاحظ أنّه كان يعيش في مقرّ مدمَّر ولا ينفق على نفسه. والمسؤولون الإسرائيليون الذين بنوا القضية ضدّه أقرّوا روتينياً بتقشّفه الشخصي. وقال رئيس سابق للصندوق القومي الفلسطيني إنّه لا يملك بيتاً ولا بستاناً ولا حساباً شخصياً.
والمرأة التي لم تسيطر على المال تحمل كلفة السمعة كاملةً.
أعد قراءة تغطية تلك المرحلة، فالآلية ليست خفيّة. الشكاوى عن شعرها المكشوف. وملابسها الغربية. ومقاعدها في عروض الأزياء. وسيّاراتها. وتسوّقها. ونقلت صحيفة أميركية عن صاحب بقالة في مدينة غزة قوله إنّه ظنّها امرأة سيّئة حتى قبل الزواج. وقدّمت جارة والدتها في رام الله، التي عرفتها طفلة، تفسيراً مفاده أنّ باريس والمال يفعلان ذلك بالمرء.
لا شيء من هذا دليل مالي. إنّه نوع أدبي — الأرملة الطامعة، والمتحوّلة دينياً التي لم تكن يوماً منّا حقاً، والمرأة الأجنبية التي أخذت عقل الرجل العجوز — وهو أقدم بكثير من آل عرفات. ويلتصق بالنساء في الحركات الوطنية بانتظام ينبغي أن يثير ريبة أيّ قارئ فلسطيني، لأنّ النوع نفسه استُخدم ضدّ فلسطينيات في السياسة والصحافة والعمل الأهلي طوال قرن، وغالباً على يد من أرادوا شيئاً آخر أن يُزاح عن الطريق.
الاختلال هو الدليل. فلو كان الهدف حقاً استرداد المال العام الفلسطيني، لذهبت طاقة التحقيق إلى حيث كانت السيطرة. لكنّها ذهبت إلى حيث كانت التنّورة.
سابعاً: الابنة
وُلدت زهوة عرفات في مستشفى قرب باريس في تموز ١٩٩٥. وكانت في التاسعة حين توفّي والدها. وعاشت معظم حياتها في مالطا، مع والدتها وجدّتها الكاتبة ريموندا الطويل. ونالت شهادتها هناك. ولم تُدلِ بأيّ حديث سياسي، ولم تتولَّ منصباً، ولم تُدِر مؤسسة، ولم تتحكّم بميزانية، ولم تُوجَّه إليها تهمة في أيّ مكان من أحد.

هي شخص خاصّ. ومهما اعتقد المرء في شأن والديها، فلا توجد نظرية في العدالة يرث بموجبها طفل تهمة.
ومع ذلك صارت اليوم موضوع ادّعاء فيروسي، عزّزته دولة ذات سيادة، بأنّها تحتفظ شخصياً بثمانية مليارات دولار من مساعدات إنسانية مسروقة. الادّعاء بلا مصدر. وهو مخطئ في مكان إقامتها. ويتضمّن جزماً بشأن أهلية الأونروا لم يُقدَّم عليه دليل قطّ. وله وظيفة: يحوّل سجالاً مجرّداً عن حوكمة المساعدات إلى وجه، ويحوّل امرأة خاصّة إلى ردٍّ دائم على المطالب الإنسانية لشعب بأكمله. فكلّما قال أحد إنّ الفلسطينيين في غزة يحتاجون إلى طعام، صارت هذه الصورة جاهزة جواباً.
هذا هو الغرض الفعلي. لا وصف مالية زهوة عرفات، التي لا يعرف عنها من يتداولون الادّعاء شيئاً ولا يعنيهم أمرها، بل جعلها نافعة.
ولم يتوقف التدوير. فخلال المؤتمر العام الثامن لحركة فتح في أيار ٢٠٢٦ — أول انتخابات قيادية للحركة منذ عقد — انتشر على وسائل التواصل ملصق بهيئة الدعاية الانتخابية يعلن «مرشحة المجلس الثوري: زهوة ياسر عرفات، أم ياسر»، بألوان الحركة الصفراء وتحت صورة والدها. لم يكن لهذا الترشح وجود. لم تكن مرشحة، ولم تحضر المؤتمر، ولا يرد اسمها في أيّ من سجلاته المنشورة: لا في قوائم المرشحين التي أوردتها وكالة وفا الرسمية، ولا في النتائج، ولا في أيٍّ من التغطيات. بل إنّ الصورة التي حملها الملصق لا يبدو أنها لها أصلاً. أما الترشح الوراثي الذي حدث فعلاً في ذلك الأسبوع فكان حقيقياً وموثقاً: ياسر عباس، نجل الرئيس ورجل الأعمال البالغ من العمر ٦٤ عاماً، انتُخب عضواً في اللجنة المركزية لفتح وسط انتقادات صاخبة داخل الحركة نفسها. فوراثةٌ عرفاتية مفبركة أسهل تداولاً من وراثة عبّاسية فعلية تستحق الفحص.
أما ما تفعله فعلاً فموثّق أيضاً، وأكثر هدوءاً. فقد اطّلعت تايمز أوف فلسطين على صور تُظهرها في مالطا حيث تعمل مع السفارة الفلسطينية؛ ومن مهامها استقبال أطفال غزة الجرحى القادمين للعلاج في مستشفيات مالطا — وهو ممرّ علاجي وجوده ثابت في السجل العلني، من سجلات الإجلاء الطبي لمنظمة الصحة العالمية إلى زيارة رئيس وزراء مالطا لطفل من غزة في مستشفى «ماتر داي» في كانون الأول ٢٠٢٥. ومن الأطفال الذين استقبلتهم سيلا، طفلة جُرحت في غزة وفقدت والديها.

ويصف من يعرفون العائلة حياةً في شقة مستأجرة، وعملاً عادياً، وغياباً لأيّ ثروة ظاهرة. ولم تتحقّق هذه الجريدة من تلك التفاصيل باستقلال، وهي غير مضطرّة إلى ذلك. فعبء الإثبات لم يكن يوماً عليها. إنّه يقع، كلّياً ودائماً، على من نشروا الرقم.


ثامناً: ما ينبغي أن يأخذه الفلسطينيون من هذا
الإغراء أن نقرأ هذا بوصفه قصّة امرأتين ظُلمتا، فنُبدي التعاطف ونمضي. وتلك أقلّ الخلاصات فائدة.
الخلاصة المفيدة هي: التشهير ليس ظلماً لآل عرفات فحسب. إنّه الآلية التي حُرم بها الفلسطينيون من المحاسبة.
تأمّل ما كانت المحاسبة الحقيقية ستتطلّبه. كانت ستتطلّب من المؤسسات الفلسطينية نشر تدقيق كامل لمالية منظمة التحرير والسلطة منذ ١٩٩٤. وتسمية الوسطاء الذين حرّكوا المال عبر قنوات مصرفية سويسرية وإسرائيلية ضمن الترتيبات التجارية التي أنشأها إطار أوسلو. والسؤال عمّن وقّع على الاحتكارات، ومن أمسك المحفظة، ومن استفاد من الفلل التي ارتفعت حول رام الله بينما لم تكن مخيّمات اللاجئين موصولة بالصرف الصحي. وكانت ستتطلّب من الفلسطينيين مواجهة أنّ فساد تلك الحقبة لم يكن حادثاً عارضاً في شخصية رجل، بل بنيةً — بنيةً ناسبت أطرافاً عدّة، بعضها لم يكن فلسطينياً أصلاً.
لم يحدث شيء من ذلك. بل حدث أنّ امرأة في مالطا صارت هي الجواب عن السؤال. عشرون عاماً من الغضب الفلسطيني على مال مسروق صُبَّت في اسم واحد، وهو الاسم الوحيد في القضية كلّها الأقلّ احتمالاً أن يعطي شيئاً لو شُدَّ عليه.
فليكن الفلسطينيون دقيقين في هذا، لا عاطفةً تجاه سهى عرفات — وهي شخصية مركّبة لها سجلّ قضائي تونسي حقيقي وشقّة باريسية لم تفسّرها لأحد بما يكفي — بل مصلحةً بالذات.
الدقّة هي الحجّة كلّها. فما إن يردّد فلسطيني رقم الثمانية مليارات عن زهوة عرفات، حتى يكون قد أقرّ بأنّ الادّعاء لا يحتاج مصدراً ليستحقّ الترديد، وسلّم هذا المبدأ لكلّ من سيستخدمه ضدّه غداً. الاحتلال موثَّق. والحصار موثَّق. وأعداد الضحايا موثَّقة، في سجلّات ودفاتر مشارح وقواعد بيانات أممية صمدت عقداً من التدقيق العدائي. وهذا الانضباط في الإثبات هو أثمن ما تملكه القضية الفلسطينية، ولا يمكن إنفاقه انتقائياً.
والمال ما زال مفقوداً. ليس ثمانية مليارات — فذلك الرقم خيال. لكنّ الجزء غير المتتبَّع ممّا حدّده صندوق النقد الدولي، والأصول التي لم تصل إليها إصلاحات فيّاض، والحسابات التي لم ينشرها أحد: هذا حقيقي، وهو ملك الفلسطينيين، ولم يُسترَدّ.
وهو ليس في شقّة في سليمة. ولم يكن هناك قطّ.
ومن أخبروك أنّه هناك هم من لم يريدوك أن تنظر في أيّ مكان آخر.