الثقافة والفنون
من مخيم خانيونس.. محمد عساف يحمل صوت غزة إلى العالم

Photo: Times of Palestine
تقرير أصلي
في ربيع 2013، قضى مغني أعراس في الثالثة والعشرين من مخيم خانيونس يومين عالقاً على معبر رفح، محاولاً اللحاق بتجارب أداء في القاهرة. وصل بعد إغلاق الأبواب، ولم تعد هناك أرقام تُوزَّع على المتسابقين.
فتسلّق محمد عساف السور.
دخل القاعة بلا رقم ولا طريق يوصل صوته إلى اللجنة. عندها سمعه متسابق غزّي زميل يغني في الممر، فتنازل له عن رقمه — قائلاً له، كما تُروى القصة في العالم العربي منذ ذلك الحين، إن حظه في الفوز أكبر.
الليلة التي غنّت فيها الشوارع#
بعد ثلاثة أشهر، في ليلة من يونيو/حزيران في بيروت، توّج عساف بلقب «آراب آيدول» أول فلسطيني يحمل اللقب. وحوّلت أغنيته «علّي الكوفية» الحلقة الختامية إلى مشهد لم تعرفه برامج المواهب: ساحات تمتلئ في غزة ورام الله والناصرة ومخيمات لبنان، وليلة نادرة احتفلت فيها الجغرافيات الفلسطينية كلها بالشيء نفسه في اللحظة نفسها.
وفي غزة غصّت شوارع الاستقبال حتى حاصرت الجموع موكبه، كما نقلت «غلف نيوز» يومها. وعيّنته الأونروا أول سفير إقليمي للشباب، فيما سمّته الحكومة الفلسطينية سفيراً للثقافة والفنون.
ثم حمل فيلم «يا طير الطاير» للمخرج هاني أبو أسعد عام 2015 الحكاية إلى شاشات المهرجانات حول العالم: المخيم، والمعبر، والسور، والرقم المستعار.
صوت ممنوع من الوطن#
الصوت الذي وحّد الفلسطينيين لفت انتباه الاحتلال أيضاً. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2020 أعلن آفي ديختر، عضو الكنيست عن حزب الليكود، أن إسرائيل ستلغي تصريح دخول عساف إلى الضفة الغربية، متذرعاً بمقاطع دعا فيها المغني إلى المقاومة. وأفاد موقع «ميدل إيست آي» بأن المنع يشمل القدس، فيما وصفت «عرب نيوز» الخطوة بأنها فصل جديد من الحرب على الثقافة الفلسطينية.
أما عساف، المقيم يومها في الإمارات مع أسرته، فردّ بالطريقة الوحيدة المتاحة له: واصل الغناء.
فصل 2026: يغني لغزة الجريحة#
هذا العام يعتلي ابن خانيونس مسارح عالمية لا تستطيع مدينته استضافتها. ففي يناير/كانون الثاني غنّى في أستراليا للمرة الأولى متصدراً أمسية «فلسطين تجمعنا» على مسرح ICC في سيدني، وهي أمسية للثقافة الفلسطينية جمعت التبرعات لصندوق إغاثة أطفال فلسطين. وفي يونيو/حزيران بلغت جولته سينسيناتي الأميركية، فيما يمتد برنامجه لعام 2026 عبر قاعات أميركا الشمالية وأوروبا، وخلفه فرقة كاملة، والكوفية حاضرة دائماً على المسرح.
أما خانيونس، المخيم الذي ربّاه، فقد أمضى الحرب بين أوامر الإخلاء والركام. وابنه الأشهر يحمل اليوم اسمه إلى قاعات لا يبلغها سكانه — فيصير كل حفل احتفاءً وإحصاءً معاً لما تركه الجمهور خلفه.
رفاق الطريق#
لم يعد قوس عساف — من الحاجز إلى مسارح العالم — حكايته وحده. فإليانا، المولودة في الناصرة، صارت أول فنانة تقدم وصلة كاملة بالعربية على مسارح «كوتشيلا».
ومحمد عامر حوّل طفولة لجوء فلسطينية إلى مسلسل «مو» الذي حصد الإشادة على نتفليكس. وسما عبد الهادي حملت مشهد التكنو من رام الله إلى أكبر مهرجانات العالم. وسان ليفانت، المولود في غزة، يغني الراب بثلاث لغات في قاعات كاملة الحجز عن مدينة لا يستطيع دخولها.
وجد كل واحد منهم مسرحاً تعجز الحواجز عن إغلاقه. وسيروي قسم الثقافة في تايمز أوف فلسطين حكاياتهم واحدةً واحدة — بدءاً بمغني الأعراس الذي تسلّق سوراً في القاهرة لأن أمه قالت له ألا يعود أدراجه.

