شفافية ومساءلة
بعد رصاصة قنّاص إسرائيلي شلّت حفيده.. المصري يطالب بريطانيا بالاعتذار عن بلفور

حقوق الصورة: The door of 10 Downing Street — Sergeant Tom Robinson RLC / UK Ministry of Defence, via Wikimedia Commons · الترخيص
تقرير أصلي
روى رجل الأعمال الفلسطيني منيب المصري هذا الأسبوع قصة رصاصة واحدة. فعلى صفحته في فيسبوك، كتب كيف شلّت رصاصة قنّاص إسرائيلي حفيده قبل خمسة عشر عامًا، ودعا قرّاءه إلى الوقوف خلف حملة «بريطانيا مدينة لفلسطين» التي يقودها لمساءلة لندن عن الوعد الذي يرى أنه أصل الجرح.
كان الحفيد، الذي يحمل اسم جدّه، في الثانية والعشرين من عمره حين أُصيب على الحدود اللبنانية. وكتب المصري أن «رصاصة واحدة كانت كفيلة بإصابته بالشلل»، وأن هذه المعاناة «ليست حدثًا منفصلًا» بل تمتد جذورها إلى وعد بلفور عام 1917، ما يحمّل بريطانيا «مسؤولية تاريخية وأخلاقية وقانونية» عمّا ترتّب عليه حتى اليوم.
وأحال المنشور القرّاء إلى مقابلة أجرتها صحيفة «ذا ناشونال» الاسكتلندية مع الحفيد، فيما تقترب الحملة من المهلة التي حدّدتها لحكومة كير ستارمر: الردّ على عريضة قانونية من أربعمئة صفحة قبل أيلول/سبتمبر، وإلا واجهت طلب مراجعة قضائية أمام المحاكم البريطانية.
رصاصة واحدة في مارون الراس#
في الخامس عشر من أيار/مايو 2011، شارك منيب ربيح المصري، وكان يدرس الجيولوجيا في الجامعة الأميركية في بيروت، مع عشرات الآلاف عند بلدة مارون الراس جنوب لبنان في إحياء الذكرى الثالثة والستين للنكبة، ذكرى تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين في حرب عام 1948. وفتح الجنود الإسرائيليون النار الحيّة عبر السياج الحدودي باتجاه الحشد.
اخترقت رصاصة واحدة جسد الشاب، فمزّقت كليته اليسرى وطحاله وتفتّتت شظاياها عند عموده الفقري، وفق ما نقلت وكالة «وفا» الرسمية يومها. نجا بعد سلسلة من العمليات الجراحية، لكنه يتنقّل منذ ذلك اليوم على كرسيّ متحرك.
ولم يكن وحده في ذلك اليوم؛ إذ قتلت النيران الإسرائيلية نحو عشرة متظاهرين وجرحت أكثر من مئة على طول الحدود، بحسب استعادة نشرها موقع «إلكترونيك إنتفاضة» أحصت 112 مصابًا إلى جانب القتلى العشرة.
رصاصتان بينهما ثمانية وستون عامًا تؤطّران قضية العائلة ضد الوعد الذي يفصل بينهما. غرافيك: تايمز أوف فلسطين.
جرح الجدّ الأقدم#
يحمل الجدّ في القصة نفسها رصاصة أقدم، بريطانية هذه المرة. ففي عام 1943، وكان تلميذًا في نابلس أيام الانتداب البريطاني، أصابه جنود بريطانيون بالرصاص في ساقه خلال مسيرة احتجاجية، كما روى لموقع «ميدل إيست آي»، قبل خمس سنوات من نكبةٍ أفرغت مئات المدن والقرى من أهلها.
درس ذلك التلميذ لاحقًا في تكساس، وبنى قسطًا كبيرًا من البنية الاقتصادية المدنية الفلسطينية: مجموعة «باديكو» القابضة التي انبثقت عنها بورصة فلسطين وشركة الاتصالات «بالتل»، حتى لقّبه كثيرون بـ«دوق نابلس». غير أن الثروة لم تُغلق السؤال الذي يقول إنه صادفه أول مرة على مقعد الدراسة.
تعلّمت عن وعد بلفور في المدرسة، واحتجت إلى ثلاثة وثمانين عامًا كي أصل إلى باب داونينغ ستريت وأحاسب بريطانيا.
منيب المصري، أيلول/سبتمبر 2025
عريضة عند الباب الأسود#
في أيلول/سبتمبر الماضي وصل المصري إلى ذلك الباب أخيرًا. فقد سلّم العريضة إلى مقرّ رئاسة الوزراء في 10 داونينغ ستريت، وإلى جانبه حفيده على كرسيّه المتحرك، والمؤرخ آفي شلايم، وأستاذ القانون الدولي فيكتور قطّان، بحسب ما أوردت صحيفة «ذا ناشونال» الإماراتية من لندن.
وتذهب العريضة، التي صاغها المحاميان الملكيان بن إيمرسون وداني فريدمان، إلى أن بريطانيا أخفقت على نحو غير مشروع في الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، وافتقرت إلى السند القانوني لإصدار وعد بلفور وفرض الانتداب الذي طبّقه بين عامي 1917 و1948.
وتحدّد العريضة مطالبها بدقة: فتح أرشيف الحكومة عن سنوات الانتداب ونشر ما احتُجب منه، وردّ كامل وعلني، وإقرار بالأفعال غير المشروعة، واعتذار رسمي يلقيه رئيس الوزراء في مجلس العموم، وبحث الأشكال المناسبة لجبر الضرر.
وستمنستر تبدأ الردّ#
بدأت الحملة تجد صداها في البرلمان البريطاني. ففي آذار/مارس الماضي، وقّع عشرات النواب واللوردات رسالة تؤيد المطالبة بالاعتذار عن الوعد، بحسب ما أورد موقع «ميدل إيست آي» — وهو أول صدى برلماني للعريضة بعد ستة أشهر من تسليمها.
ومنح منظّمو الحملة الحكومة مهلة حتى أيلول/سبتمبر للردّ، ويقولون إنهم سيتقدّمون بطلب مراجعة قضائية إذا بقيت صامتة. وتخاطب الحملة الجمهور في هذه الأثناء عبر حساباتها على إنستغرام وفيسبوك باسم «بريطانيا مدينة لفلسطين».
ويضع الجدّ رهان الحملة في إطاره العائلي: فحفيده، كما كتب، «واحد من آلاف الفلسطينيين الذين عانوا وما زالوا يعانون من آثار هذا الواقع المستمر». رصاصة واحدة أنهت قدرة شاب على المشي، والحملة تحاجج بأن وعدًا أقدم هو الذي جعل تلك الرصاصة ممكنة. وفي أيلول/سبتمبر يتبيّن إن كانت بريطانيا مستعدة للإجابة عن أيٍّ منهما.


