اقتصاد وإغاثة
هكذا بنى بشار المصري روابي أولى المدن الفلسطينية المخطّطة
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
على بعد تسعة كيلومترات شمال رام الله، يرتفع هلال من الأبراج الحجرية الفاتحة فوق تلة لم يكن فيها قبل عقدين سوى الشجيرات. إنها روابي، أولى المدن الفلسطينية المخطّطة في الذاكرة الحديثة، وهي قائمة لأن رجلًا واحدًا قرر أن الفلسطينيين لا ينبغي أن ينتظروا قيام الدولة كي يبنوا بمنطق الدول.
ذلك الرجل هو بشار المصري. وُلد في نابلس عام 1961 — وهو ابن شقيق رجل الصناعة منيب المصري، كما أوردت مجلة «تايم» في تغطيتها للمشروع — وكبر وسط مظاهرات الضفة المحتلة، ثم غادر لدراسة الهندسة الكيميائية في جامعة فرجينيا تك، وبنى مسيرته في واشنطن قبل أن تعيده سنوات أوسلو إلى الوطن. وفي عام 1994 أسّس شركة «مسار الدولية»، الذراع الاستثمارية التي صارت محرّك روابي.
مدينة من الصفر#
اكتملت الفكرة عام 2007: ليس مشروع إسكان آخر، بل مدينة كاملة — شوارع مخطّطة ومدارس ومكاتب وقلب تجاري — يتصورها الفلسطينيون ويموّلونها ويبنونها بأنفسهم. وترسم خطة روابي نحو ستة آلاف مسكن في اثنين وعشرين حيًا لأكثر من خمسة وعشرين ألف ساكن، مع مجال للنمو نحو أربعين ألفًا.
ولبّت قطر نداء التمويل. فعبر شركة «بيتي» للاستثمار العقاري، حملت «مسار الدولية» و«الديار القطرية» فاتورة تطوير بلغت نحو 1.4 مليار دولار — أكبر مشروع للقطاع الخاص في التاريخ الفلسطيني الحديث.
1.4 مليار دولار من الاستثمار الخاص — أكبر مشروع خاص في التاريخ الفلسطيني الحديث.
أرقام تطوير روابي
وكان بناؤها بناءً ضد شبكة الاحتلال. فطريق المدينة الوحيد يمرّ في المنطقة «ج» الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية وظل سنوات رهين تصاريح مؤقتة؛ ووصلة المياه التي تجعل المدينة صالحة للسكن بقيت محجوبة حتى عام 2015؛ وكل حمولة حجر وفولاذ فاوضت الحواجز. مضى المصري بالمشروع عبر ذلك كله، وانتقلت أولى العائلات إلى بيوتها صيف 2015 كما أوردت «تايم».
حجم الرهان: البيوت والأحياء والاستثمار والمدرّج فوق التلة. غرافيك: تايمز أوف فلسطين.
ما يقوم على التلة اليوم#
روابي اليوم آلاف من السكان وعددهم يتزايد — عائلات شابة من المهنيين جذبتها القروض السكنية وإنترنت الألياف ونظام بلدي منتظم تجد مدن الضفة الأقدم صعوبة في توفيره. جلب مركز «Q» التجاري العلامات العالمية؛ ويستضيف مدرّج يتسع لخمسة عشر ألف متفرج الحفلات فوق الوادي؛ وتدرّس أكاديمية إنجليزية أطفال المدينة.
وجاء العمل مع البيوت. فقد وجد برنامج «60 دقيقة» على شبكة «سي بي إس» المدينة وقد صارت أكبر مشغّل خاص في الضفة الغربية، ومركزها التقني يمتلئ بمهندسين فلسطينيين يكتبون البرمجيات لشركات عالمية — دليلًا على أن المدينة بُنيت لتكسب رزقها لا لتنام فحسب.
وكبرت مكانة الباني مع مدينته. فقد صنّفته «فورتشن» بين أعظم خمسين قائدًا في العالم عام 2018، وأبقته سمعته العملية حاضرًا في الغرف التي تُبحث فيها إعادة إعمار غزة بعد الحرب في واشنطن.
غير أن هذا الحضور جلب عليه نارًا قضائية. ففي نيسان/أبريل 2025 رفعت عائلات ضحايا أميركيين في هجوم السابع من أكتوبر دعوى مدنية أمام محكمة اتحادية أميركية تزعم أن عقارات في غزة طوّرتها شركاته — فندقين والمنطقة الصناعية في غزة — أخفت أنفاقًا لحركة حماس، بحسب صحيفة «تايمز أوف إسرائيل».
ووصف المصري الدعوى بأنها باطلة، وقال إنه صُدم إذ علم بها من الإعلام، وطلب ردّها؛ وتبقى هذه المزاعم ادعاءات أمام القضاء لا وقائع مثبتة.
البرهان العملي#
ما تحسمه روابي جدالٌ قديم. فلعقود استند الرافضون لقيام دولة فلسطينية إلى مقولة إن الفلسطينيين عاجزون عن إدارة مؤسسات تتطلبها الدولة. وعلى تلة شمال رام الله ينتصب جواب ممول تمويلًا خاصًا: مدينة لها مخطط هيكلي وجدول رواتب وتقويم مدرسي وأفق عمراني — خطّطها مهندسون فلسطينيون، وموّلها رأسمال فلسطيني وعربي، وسكنتها عائلات فلسطينية.
وهكذا قدّم المصري مدينته دائمًا: مشروع وطني يرتدي خطة عمل. ما زالت في التلال متسع، وفي المخطط مراحل، ولم تعد أولى المدن الفلسطينية المنظمة صورةً معمارية على الورق. صار لها سكان، وهم في بيوتهم.
