الشتات الفلسطيني
هاني المدهون: التدقيق الأمني الأميركي أوقفني عند كل خطوة
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
يجمع هاني المدهون التبرعات في واشنطن ليطعم أهله في غزة. هو مواطن أميركي، ونائب رئيس قسم العطاء في «أونروا الولايات المتحدة»، الهيئة الأميركية التي تجمع التبرعات الخاصة لوكالة الأونروا، وأحد مؤسسي «مطبخ غزة الخيري» الذي كان يديره شقيقه محمود من بيت لاهيا حتى قتلته مسيّرة إسرائيلية في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 على مقربة من الملجأ الذي ينتظره فيه أبناؤه السبعة.
في الرابع من تموز/يوليو، خرج المدهون من مطار رونالد ريغان الوطني قرب واشنطن مع زوجته وأولادهما وأهل زوجته في رحلة عائلية إلى هيوستن. وكان قد أرفق بحجزه رقم تظلّم من وزارة الأمن الداخلي الأميركية، أرسله له مكتب النائب عن دائرته بعدما طلب المساعدة.
يقول إنه دخل الصالة وهو يشعر بخفة تكاد تكون كاملة: «ظننا أن تلك الورقة تعني أن هذا لن يتكرر». لكن ما جرى، كما كتب، كان العكس: «وجدنا النظام عند كل خطوة».
ما يرويه عمّا جرى في الصالة#
بدأ الأمر عند أجهزة إصدار بطاقات الصعود. خرجت بطاقة زوجته، ثم بطاقات أهلها، ثم بطاقات أولاده، ورقة بعد ورقة، بسهولة وفورية. أما شاشته هو فظلت تومض.
ولكي لا يتأخر الأطفال، تقدّمت العائلة نحو بوابة التفتيش، وبقي وحده أمام الجهاز يراقبهم يصغرون في آخر الممر.
واستغرق إصدار بطاقة واحدة ثلاثين دقيقة من الاتصالات بالموظفين والتصاريح الخاصة. وسأله أحد الموظفين إن كان يحمل أسلحة، ثم رافقه موظف من إدارة أمن النقل إلى تفتيش الحقائب وفتّش أغراضه بعيداً عن نظره. وفي لحظة، أفلتت من أحد الموظفين عبارة تفيد بأن «هلعاً» وقع خلف الكاونتر، لأن بقية العائلة سجّلت حقائبها ومضت من دونه وهو ما يزال واقفاً هناك.
كانت العائلة عندها في التفتيش الثانوي. وكتبت له زوجته أنهم سيقوا إلى مسار منفصل سمّاه أحد الموظفين «معاملة كبار الشخصيات»: مسح كامل للأجساد، ومسح لأجهزتهم بالمسحات، وأيادٍ تمرّ على أجسادهم في التفتيش اليدوي.
أما حماته، وهي فلسطينية عاشت التهجير، ففُتّشت عند خصرها ونُبش كل غرض وضبته في حقيبتها. وحين وصلت العائلة إلى هيوستن، لم يكن أول ما فعلته أن تفرغ الحقيبة، بل أن تغسل كل ما فيها وتعقّمه، قطعةً قطعة.
وجدنا النظام عند كل خطوة.
هاني المدهون، في روايته المنشورة لرحلة الرابع من تموز/يوليو
ولم تتحقق «تايمز أوف فلسطين» من الواقعة بصورة مستقلة خارج رواية المدهون المنشورة، وهو يصفها بأنها حلقة من سلسلة يكتبها عن أسفاره.
لماذا لم ينفعه رقم التظلّم#
رقم التظلّم ليس شهادة براءة. تصدره وزارة الأمن الداخلي عبر برنامج «تظلّم المسافرين» لمن يتكرر تأخيرهم لأن أسماءهم تشبه أسماء على قائمة مراقبة، كي تستطيع أنظمة شركات الطيران والتفتيش التمييز بين الشخصين.
هو علاج لالتباس الهوية. وليس وسيلة لرفع اسم مدرَج عن القائمة، والوزارة لا تؤكد إدراج أي شخص ولا تنفيه.
لذلك لا تناقض بين رقم تظلّم في الحجز وجهاز يرفض إصدار بطاقة الصعود. ففي الدعوى التي رفعها مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية في آب/أغسطس 2024، عرف أحد المدّعيَين الفلسطينيَّين الأميركيَّين، مصطفى زيدان، أنه على قائمة حظر الطيران لأنه قدّم طلب تظلّم. أبلغه الإجراء بأنه مدرج، ولم يرفع اسمه.
ما هي القوائم، ومن عليها#
نشر مجلس الرقابة على الخصوصية والحريات المدنية، وهو هيئة اتحادية مستقلة تراجع برامج مكافحة الإرهاب، مراجعته لقوائم المراقبة في كانون الثاني/يناير 2025. وذكر أن قاعدة بيانات الفرز الأمني تضم أكثر من مليون شخص، بينهم نحو ستة آلاف أميركي، وأن معيار إدراج الاسم هو «اشتباه معقول»: لا تهمة ولا إدانة.
ووجد المجلس أيضاً أن من يطعن في إدراجه يصطدم بأنه لا يملك الاطلاع على المواد السرية التي أُدرج على أساسها.
وأرقام المجلس نفسها تبيّن حجم الخطأ: من بين 268 أميركياً مدرجين قدّموا تظلمات إلى وزارة الأمن الداخلي في عامي 2022 و2023، رُفع نحو الثلث عن قائمة المراقبة.
وتضم القاعدة قائمة حظر الطيران التي يُمنع أصحابها من الصعود، وقائمتَي «المنتقين» و«المنتقين الموسّعة» اللتين يخضع أصحابهما للتفتيش قبل كل رحلة لكنهم يسافرون. وقد سافر المدهون. ولم تبلغه أي جهة بأي قائمة يحمل اسمه، إن كان يحمله.
القضاء ترك هذا المسافر بأضعف الوسائل#
نظر القضاء الأميركي في التظلّم من قوائم المراقبة مرتين، وانتهى إلى نتيجتين متعاكستين لنوعَي المسافرين. ففي حزيران/يونيو 2014، قضت القاضية آنا براون في المحكمة الاتحادية بولاية أوريغون، في قضية لطيف ضد هولدر، بأن الإجراءات المتاحة للمدرجين على قائمة حظر الطيران عديمة الفعالية وتنتهك التعديل الخامس، فأصدرت الحكومة إجراء إخطار معدّلاً في نيسان/أبريل التالي.
وفي آذار/مارس 2021 ذهبت محكمة الاستئناف للدائرة الرابعة في الاتجاه المعاكس بشأن الباقين. ففي قضية الهادي ضد كيبل، قضت هيئة إجماعية برئاسة القاضي ج. هارفي ويلكنسون بأن المدرجين على قائمتَي «المنتقين» و«المنتقين الموسّعة» لا يملكون دعوى في الإجراءات القانونية الواجبة، لأن التأخير والتفتيش في المطارات وعلى الحدود يدخلان في سلطة السلطة التنفيذية الراسخة في تنظيم السفر.
وهكذا صار المسافر الذي يُفتَّش ولا يُمنع — وهو موقع المدهون بحسب روايته — أقل الناس حيلةً بين من يمسّهم النظام.
بعد اثني عشر يوماً، رسمت محكمة دائرته خطاً#
في 16 تموز/يوليو، أي بعد اثني عشر يوماً من وقوف المدهون أمام ذلك الجهاز، قضى القاضي الاتحادي مايكل ناكمانوف في المنطقة الشرقية من ولاية فرجينيا — وهي الدائرة التي تشمل مطارات واشنطن وضواحيها حيث يقيم المدهون — بأن هيئة الجمارك وحماية الحدود انتهكت التعديل الرابع في حق فلسطيني أميركي آخر هو أسامة أبو ارشيد، حين فتّشت هاتفيه تفتيشاً جنائياً مرتين في مطار دالاس الدولي عام 2024.
وأبو ارشيد هو المدير التنفيذي لمنظمة «مسلمون أميركيون من أجل فلسطين». وبعد محاكمة من غير هيئة محلفين في أيار/مايو، خلصت المحكمة إلى أن رسالة من النائب جيمس كومر، والاتهامات التي سبق أن وجّهتها لجنة الرقابة في مجلس النواب إلى منظمته، لا ترقى إلى «الاشتباه المعقول» الذي يشترطه القانون لتفتيش هاتف مواطن أميركي تفتيشاً جنائياً.
ورفضت المحكمة في الحكم نفسه اعتبار التفتيشين انتقاماً من تعبيره، فبقي سؤال التعديل الأول مفتوحاً. أما ما حسمته فأضيق وأثقل في آن: رسالة نائب واتهامات لجنة لا تكفي لتفتيش هاتف أميركي، والقضاء يقولها.
نمط موثّق، وسبب لا تقوله جهة#
كان أبو ارشيد أيضاً أحد مواطنَين فلسطينيَّين أميركيَّين وردا في الدعوى التي رفعها مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية وفرعه في لوس أنجلوس ضد مكتب التحقيقات الفيدرالي في 12 آب/أغسطس 2024 بشأن الإدراج على قائمة المراقبة.
ولم يكن هو ولا المدّعي الآخر مصطفى زيدان قد وُجّهت إليهما تهمة بجريمة عنف أو أُدينا بها، وزعمت الدعوى أن إدراجهما جاء بسبب نشاطهما من أجل فلسطين. وكان أبو ارشيد قد قضى قرابة خمسة عشر عاماً بين إدراج ورفع.
ويصدر المجلس تنبيهات للمسافرين منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بعد بلاغات من فلسطينيين وعرب ومسلمين أميركيين استُجوبوا وأُخّروا في مطارات الولايات المتحدة ومعابرها، وربط عدد منهم ذلك بالنشاط نفسه.
وثمة آلية واحدة يمكن استبعادها. فبرنامج «السماء الهادئة»، الذي كانت إدارة أمن النقل تكلّف بموجبه مسؤولي أمن الطيران بمتابعة مسافرين بعينهم، أغلقته وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم في حزيران/يونيو 2025، وقالت إنه لم يمنع هجوماً واحداً وطُبّق بصورة متفاوتة. وأياً كان ما أوقف حجز المدهون في الصيف التالي، فهو ليس ذلك البرنامج.
ويبقى الجزء الذي لا تجيب عنه جهة. فجهة عمله هي الهيئة الخيرية الأميركية التي تجمع التبرعات الخاصة للأونروا، الوكالة التي منع الكونغرس تمويلها الأميركي في آذار/مارس 2024، وقطعت عنها الإدارة التمويل كلياً في شباط/فبراير 2025، وتدرس منذ ذلك الحين إدراجها «منظمة إرهابية أجنبية»، وهي خطوة لم تتخذها.
و«أونروا الولايات المتحدة» جمعية خيرية أميركية مسجّلة تعمل بصورة قانونية. ولم تُوجَّه إلى المدهون تهمة قط، ولم تقل أي جهة إن تدقيقه الأمني له صلة بعمله أو بمطبخ شقيقه أو باسمه.
وهذا الصمت تصميمٌ لا سهو. فوزارة الأمن الداخلي وإدارة أمن النقل ومركز فرز الإرهابيين التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي لا تناقش تدقيق الأفراد ولا إدراجهم، فلا يعرف مواطن في موقعه ما المشتبه به فيه، ولا يرى المواد، ولا يردّ عليها. وأي بيان تصدره هذه الجهات يُضاف إلى هذا التقرير.
وتوصيات مجلس الرقابة تشير إلى المخرج: إخطار حقيقي، وفرصة حقيقية للطعن. وحكم القاضي ناكمانوف يبيّن أن القضاء يرسم الخط حين يصل أحدهم إليه.
وإلى أن يحدث ذلك، تبقى الكلفة حيث ظلت تقع: على رجل يقضي عمره المهني في جمع المال لإطعام أهله، وعلى جدة وصلت هيوستن فغسلت حقيبة، قطعةً قطعة، قبل أن تفتحها.