كل الأخبار ←🌐 English
عاجل

تايمز أوف فلسطين

الشتات الفلسطيني

من غزة إلى ملبورن.. القيسي تروي حكاية نغم أبو سمرة

تايمز أوف فلسطين

من غزة إلى ملبورن.. القيسي تروي حكاية نغم أبو سمرة

حقوق الصورة: Brunswick Mechanics Institute, Melbourne — Mattinbgn via Wikimedia Commons (CC BY 3.0) · الترخيص

تقرير أصلي

تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←

مقطعٌ مصوَّر بهاتف في غزة هو ما غيّر مسار عمل المخرجة الفلسطينية آلاء القيسي: أبٌ يجلس إلى سرير ابنته في المستشفى، ويحكي عن ساقها اليمنى التي فقدتها.

القيسي، وهي كاتبة ومخرجة فلسطينية تربّت في الأردن وتقيم في أستراليا منذ عام 2010، قالت لإذاعة "إس بي إس" العربية الأسترالية إنها رأت أباها في الرجل الذي على الشاشة؛ فقد فقدت والدها قبل شهرين من بدء الحرب.

"وقع نظري على مقطع فيديو لوالد نغم أبو سمرة وهو بجانبها، ويروي قصتها، قصة رجلها اليمنى المبتورة، فرأيت والدي فيه"، قالت في ذلك الحوار الذي نُشر في كانون الثاني/يناير من العام الماضي، "وفي تلك اللحظة اخترت أن أنقل قصة نغم، وبدأت في الكتابة".

ما كتبته صار مسرحية عنوانها "العودة"، وهي تفتح هذا الأسبوع جولةً في قاعاتٍ لا تصنع برامج المسارح الرسمية: قاعة "معهد الميكانيك" في برونزويك، وهي مبنى من القرن التاسع عشر، ومركز مجتمعي في ضاحية كيزبورو جنوب شرقي ملبورن، ومركز الفنون في بالارات، ومسرح صغير في كاسلمين وسط أرياف فيكتوريا.

البطلة التي بُنيت المسرحية حولها#

نغم أبو سمرة من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، وكانت أفضل ما أنجبته فلسطين في الكاراتيه. وصفتها الجزيرة نت، في تقريرها عن استشهادها، ببطلة قطاع غزة في الكاراتيه وعضوة المنتخب الوطني، وقد أنهت للتوّ ماجستير التربية الرياضية، وأسّست مركز تدريب يُدخل الفتيات إلى اللعبة.

تقول الجهة المنتجة للعمل إن نغم كانت على طريق تمثيل فلسطين في الأولمبياد.

في 18 كانون الأول/ديسمبر 2023 قصفت طائرة إسرائيلية البيت الذي لجأت إليه العائلة في النصيرات، فاستشهدت شقيقتها روزان في اللحظة نفسها.

وفقدت نغم ساقها اليمنى ولم تخرج من الغيبوبة التي تلت القصف. عالجها أطباء مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، ثم نقلوها في السابع من كانون الثاني/يناير 2024 إلى مستشفى في العريش المصرية، حيث فارقت الحياة بعد خمسة أيام، حسب ما نقلت صحيفة "ذي ناشونال".

وحكى والدها مروان للصحيفة عن رحلة الإسعاف إلى الحدود: "كانت رحلة مخيفة ومرعبة. كدنا نفقد نغم. جهاز التنفس الذي أُدخل إلى سيارة الإسعاف كان معطلاً". وكان الرجل قد فقد زوجته بالسرطان قبل الحرب، ثم روزان في القصف نفسه.

هذه هي هندسة الحكاية كلها: بطلةٌ، وتصريحُ عبورٍ تحتاجه، والأسابيع التي أكلها انتظار التصريح.

عملٌ صنعه من يعرضه#

لا تعرض "العودة" لحظة القصف. تُجلس مروان على الخشبة في انتظار ابنتيه أن تعودا من بين السحاب، وتترك الموتى يتكلمون، في مزيجٍ من الواقعية السحرية والشعر والموسيقى، وفيه — كما يَعِد المنظمون — فكاهةٌ غير متوقعة. ويحمل العمل تنبيهاً إلى أنه يقارب الحرب والفقد والصدمة النفسية، ويُنصح بحضوره لمن أتمّ الخامسة عشرة.

الفريق صغير، وخرج في معظمه من الأوساط الفنية العربية والفلسطينية في سيدني. تكتب القيسي وتخرج وتؤدي دور روزان؛ ويلعب رشيد تقي دور مروان في موسم فيكتوريا بعد سيرجيو سيلفا في سيدني؛ ويكمل الفريقَ محمد الكسم وأحلام حجازي. تنتج العمل جاسمين لو، ووضع فيروز حسيني شريطه الصوتي.

وتاريخ العرض جولةٌ في نوع القاعة التي يملكها الناس أنفسهم. عُرضت المسرحية في مركز شرق سيدني المجتمعي والفني في دارلينغهيرست يومي 21 تشرين الثاني/نوفمبر و21 كانون الأول/ديسمبر الماضيين، وفي مسرح فلايت باث في ماريكفيل يومي 9 و11 كانون الأول/ديسمبر، بأربعين دولاراً للبطاقة.

موسم فيكتوريا يقدّمه "مشروع العودة" مع مجموعة "فلسطين الحرة ملبورن" التطوعية. عروضه في 15 و16 و17 و20 أيلول/سبتمبر في معهد الميكانيك ببرونزويك، وفي 18 منه في مركز بالارات للفنون، وفي 19 منه في مركز تشاندلر المجتمعي بكيزبورو، وفي 22 منه في مسرح "في برودواي" بكاسلمين.

ويصعد إلى الخشبة بعد كل عرض متحدّثان في نقاشٍ مع القيسي.

من بيت في النصيرات إلى قاعات فيكتوريا / The Return: from a Nuseirat house to a tour of halls
من بيت في النصيرات إلى قاعات فيكتوريا / The Return: from a Nuseirat house to a tour of halls · Graphic: Times of Palestine

الصحافة الوطنية الأسترالية لم تكتب عن هذا كله تقريباً. صحيفة "دانديننغ ستار جورنال"، وهي محلية في جنوب شرقي ملبورن، نشرت خبر عرض كيزبورو في تموز/يوليو تحت عنوان بسيط عن مصاب عائلة واحدة، ونقلت "غرين لِفت" رواية القيسي بقلمها أواخر الشهر الماضي بعد حلولها ضيفةً على إذاعتها المجتمعية. وأما الجمهور فوصله الخبر بالطريقة نفسها: قاعةً قاعةً، ومن فمٍ إلى فم.

رأيت والدي فيه، وفي تلك اللحظة اخترت أن أنقل قصة نغم.

آلاء القيسي، لإذاعة "إس بي إس" العربية

ما يقدّمه الشتات فعلاً#

الجماعة الفلسطينية في أستراليا ليست كبيرة. أحصى تعداد 2021 نحو 15,607 أشخاص من أصل فلسطيني، و2,959 مقيماً وُلدوا في غزة أو الضفة الغربية. ويشير مرجع "كالتشرال أطلس" إلى أن الرقم أدنى من الحقيقة، لأن استمارة التعداد لا تمنح الفلسطيني المولود داخل ما صار إسرائيل خانةً يؤشّر عليها.

ما بنته هذه الجماعة بدل العدد شبكةُ قاعات: معاهد الميكانيك القديمة، والمراكز المجتمعية، ومسارح الأرياف، ومتطوعون يملؤونها. وما تمرّره في هذه الشبكة سجلٌّ للأسماء.

وحجم الخسارة التي يردّ عليها هذا السجل معروفٌ بالرقم. ففي حزيران/يونيو الماضي أعلن اتحاد الكرة الفلسطيني أن عدد الرياضيين الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 بلغ 1,009، منهم 567 من قطاع كرة القدم وحده. قليلٌ جداً من هذه الأسماء سينال كتاباً أو تحقيقاً أو خشبة مسرح.

وللقيسي مسارٌ في موضوعاتٍ يُتحدَّث حولها ولا يُتحدَّث فيها. فيلماها القصيران "امشِ في حذائي" و"بينك سوينغ" خرجا من مدرسة سيدني للسينما، حيث نالت جائزة المدرسة للجسارة والفضول والرحمة عام 2013.

ودخل فيلمها القصير "سندريلا" مشروعَ تطوير الأفلام القصيرة في مهرجان مالمو للسينما العربية، واختارتها في 2020 جمعيةُ المواهب السينمائية الناشئة الدولية التي تتخذ موناكو مقراً، في مهرجان الجونة بمصر.

وعملها المقبل يعود إلى الحكاية نفسها وينادي صاحبتها باسمها: "نغم غزة"، مسرحيةٌ وفيلم وثائقي ما زال تمويلهما في الطريق. جمعت الحملة التي أطلقتها في كانون الثاني/يناير الماضي 3,280 دولاراً أسترالياً من 25 متبرعاً من أصل هدفٍ قدره 20 ألفاً، وتمرّ التبرعات المعفاة من الضريبة عبر الصندوق الثقافي الأسترالي.

ومن مساهمات ليلةٍ واحدة في ذلك عشاءٌ فلسطيني في مؤسسة أديسون رود المجتمعية بماريكفيل، تحدثت فيه القيسي والكاتبة ريم بروس عن القوة الناعمة كشكلٍ من أشكال المقاومة.

أما الثناء الذي يحمله العمل فليس من النقاد. ينقل المنظمون عن الدكتور إقبال بركات، المحاضر في جامعة ماكواري، أن المسرحية تلامس ثمن أن يبقى المرء إنساناً؛ ويقول روبرت مارتن، وهو ناشط أبحر في أسطول غزة العام الماضي، إنها تترك أثراً لا يزول.

في كيزبورو يوم السبت ستكون القاعة مركزاً مجتمعياً بخشبةٍ واطئة، والأب الذي ينتظر ابنتيه سيكون ممثلاً أمام بضع مئات يعرف معظمهم بعضهم بعضاً.

لم تحصل نغم أبو سمرة على نزالها الأولمبي. وهي تحصل الآن، في قاعاتٍ لن تراها عائلتها، على الشيء الوحيد الذي لا يصادره احتلالٌ من بعيد: حكايتها تُروى بصوتٍ عالٍ، وباسمها.