الشتات الفلسطيني
الاحتلال يخنق السيولة في غزة.. السماسرة يبتلعون نصف الحوالات
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
عائلة في غزة تتلقى هذا العام 500 دولار من قريب لها في الخارج، تستطيع أن تتوقع حصولها على ما بين 225 و425 دولاراً منها نقداً. أما الباقي فيذهب إلى الوسطاء الذين حلّوا محل الجهاز المصرفي.
ويصف مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في عرضه لأزمة السيولة، اقتطاعين منفصلين: وسطاء يتلقون الحوالة المصرفية ويسلّمون مقابلها نقداً بعمولة تتراوح بين 15 و50%، ومتلقو الحوالات من خارج القطاع الذين يدفعون ما بين 15 و20% إضافية لمجرد استلامها. وحتى حالة الأوراق النقدية تدخل في الحساب، إذ تحمل الأوراق البالية أو الممزقة عمولات أدنى من النظيفة، وفق المصدر نفسه.
ونقلت «بريزم ريبورتس» في آذار/مارس عن تقارير محلية ودولية أن عمولات صرف النقد المعروفة محلياً بـ«التكييش» بلغت 55% خلال عام 2025، ونقلت عن أحد السكان قوله إن حوالات بقيمة 100 شيكل كانت تعود إليه بما بين 50 و80 شيكلاً نقداً.
وبالمقارنة مع المعيار العالمي، تبدو هذه النسب استثنائية. فقد قدّر تقرير البنك الدولي «الهجرة والتنمية 40» متوسط كلفة تحويل 200 دولار عالمياً بـ6.4% في الربع الأخير من 2023، وهي نسبة تتجاوز أصلاً ضعف هدف التنمية المستدامة الأممي البالغ 3%.
وتحرّكت النسبة مع مسار الحرب. فقد أفادت وكالة «أسوشيتد برس» في تموز/يوليو 2025 بأن عمولات الوسطاء كانت نحو 5% مع بداية الحرب ثم ارتفعت إلى قرابة 40%. وذكرت «مدى مصر»
أن النسب تراجعت إلى ما بين 15 و30% خلال الهدنة القصيرة مطلع 2025، قبل أن تعاود الارتفاع بعد استئناف إسرائيل هجومها في آذار/مارس من العام ذاته. ووثّق تحقيق لموقع «درج» في شباط/فبراير 2025 حالة موظف في السلطة الفلسطينية داخل غزة دفع 23% من راتب قيمته 2700 شيكل لتحويله إلى نقد.
أما السبب فلا خلاف عليه بين المؤسسات التي تناولت الملف. فقد أكدت سلطة النقد الفلسطينية لـ«درج» أن فروع المصارف ومقارها دُمّرت بالغارات الجوية، وبحلول تشرين الأول/أكتوبر 2024، وفق «مدى مصر»، خرجت آخر أجهزة الصراف الآلي العاملة عن الخدمة. وأفاد موقع «تروث أوت» في نيسان/أبريل بأن إسرائيل ما زالت تمنع سلطة النقد من إدخال الأوراق النقدية إلى القطاع.
وأعادت المصارف فتح أبوابها في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2025 في ظل وقف إطلاق النار، بحسب «رويترز»، غير أن الزبائن لم يجدوا فيها نقداً. وأوضح «تروث أوت» أن إعادة الفتح الجزئي لبنك فلسطين في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2025 اقتصرت على المعاملات الإدارية.
وفي المقابل، نما بديل رقمي.
فقد أفادت مؤسسة الدراسات الفلسطينية بأن بعض التجار بدأوا بعد وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025 قبول الدفع عبر التطبيقات المصرفية والمحافظ الرقمية، وأن سلطة النقد سمحت لفروعها في غزة باستقبال الراغبين في فتح حسابات، إلا أن ضعف الإنترنت وتقطّعه يعطّلان التطبيقات مراراً، فيما يضطر من لا يملكون حسابات إلى تمرير أموالهم عبر أقارب أو وسطاء.
وفي 16 كانون الثاني/يناير 2026، وفق «تروث أوت»، أطلق اتحاد الغرف التجارية الفلسطينية وسلطة النقد وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونيسف حملة وطنية باسم «كاش بلزمنش» للترويج للدفع الإلكتروني في غزة.
وتُظهر الحسابات القومية المنشورة اقتصاداً منزلياً فقد ركيزته الأساسية ولم يستعدها. فبيانات مؤشرات التنمية للبنك الدولي، التي جمّعها موقع TheGlobalEconomy.com، تسجّل تراجع التحويلات الشخصية الواردة إلى فلسطين من 3.24 مليار دولار في 2023 إلى 736 مليون دولار في 2024، مقابل ذروة بلغت 4.6 مليار دولار في 2022.
وتعريف البنك الدولي نفسه لهذا المؤشر، المنشور في مسرد قاعدة بياناته، يشمل تعويضات العاملين، أي أجور العمال العابرين للحدود، إلى جانب التحويلات بين الأسر. وبذلك فإن معظم ما تبخّر كان أجوراً لا هبات عائلية.
وترصد البيانات الفصلية للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد الانهيار ذاته. فقد بلغت تعويضات العمال الفلسطينيين في إسرائيل 952 مليون دولار في الربع الأول من 2022 و911 مليون دولار في الربع الثاني من 2023، وفق ما أعلنته الجهتان حينها. أما في الربع الأول من 2026، الصادر في 29 حزيران/يونيو، فبلغت 196 مليون دولار، بارتفاع 14% عن الربع السابق، لكنها تعادل نحو خُمس مستويات ما قبل الحرب.
وتتباين التقديرات بشأن أعداد العمال الذين فقدوا تصاريحهم بحسب الوسيلة الإعلامية. فقد أفاد «ذي إنترسبت» بأن نحو 130 ألف فلسطيني من الضفة الغربية كانوا يحملون تصاريح قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيما قدّرت «جيروزاليم بوست»، استناداً إلى بيانات القوى العاملة، عدد التصاريح الملغاة بـ140 ألفاً، بينما ذكر «مندويس»
أن التصاريح أُلغيت لنحو 150 ألف عامل، مع تقديرات بأن 50 ألفاً آخرين كانوا يعملون من دونها. ووفق بيانات العمل الفلسطينية التي نشرتها «جيروزاليم بوست» هذا الشهر، بلغت البطالة في الربع الثاني 27.9%، أي نحو 284 ألف شخص.
أما التحويلات من الخارج فكانت متقلبة لا مستقرة. فقد أعلنت الجهتان صافي تحويلات جارية بقيمة 387 مليون دولار في الربع الأول من 2025 بانخفاض 25%، و262 مليون دولار في الربع الثالث من 2025 بانخفاض 38%، ثم 893 مليون دولار في الربع الأول من 2026 بارتفاع 21%، ذهب منها 462 مليون دولار إلى القطاع الحكومي.
وفي الربع الأول من 2025 أشارت الجهتان إلى أن أموال الدول المانحة شكّلت نحو 41% من مجمل التحويلات الجارية من الخارج.
وتفصل النشرات بين المتلقين الحكوميين وغير الحكوميين، لكنها لا تفرز الأموال التي ترسلها الأسر عن المنح الموجّهة إلى المؤسسات. وبحسب السجل المنشور، لا يمكن فصل حجم شريان الحياة القادم من أسر الشتات عن المساعدات.
كما أن القناة التي تُصفّى عبرها هذه الأموال مؤقتة. فقد أفادت «تايمز أوف إسرائيل» الشهر الماضي بأن وزير المالية الإسرائيلي وقّع إعفاءً يسمح للبنوك الإسرائيلية بالتعامل مع المصارف الفلسطينية حتى نهاية 2026، وأن المؤسسات المالية الإسرائيلية ما زالت متحفظة على مواصلة علاقات المراسلة المصرفية التي يعتمد عليها اقتصاد الضفة الغربية.
وتجريم القانون الفلسطيني لسمسرة النقد قائم، وقالت سلطة النقد إنها ستعاقب من يستغلون الزبائن، وفق ما نشره «وورلد كرانش» في أيار/مايو 2025؛ إلا أنه لم يُعلن عن أي إجراءات بحق الوسطاء، وقال أحد السماسرة إنه لم يتلقَّ أي إشعار من أي جهة.
ولم يُحسم بعد من يجني الأرباح النهائية من هذه العمولات، إذ قال رئيس مركز «بال ثينك» للدراسات الاستراتيجية في غزة لوكالة «أسوشيتد برس» إن من الصعب تحديد من يتحكم بالنشاط الاقتصادي في القطاع.
.jpg?width=640)

