الشتات الفلسطيني
الاحتلال يحصر مغادرة غزة بـ400 أسبوعيا من حملة التأشيرات
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
تسمح إسرائيل لما يصل إلى 400 من سكان قطاع غزة بالمغادرة أسبوعيا إلى بلد ثالث، بشرط حيازة تأشيرة أو حاجة طبية موثقة، وفق ما أوردته صحيفة «إسرائيل هيوم» العبرية في نيسان/أبريل، في معرض وصفها مسارا يمر عبر معبر كرم أبو سالم ثم إلى جسر أللنبي أو مطار رامون.
وقالت وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق (كوغات) في أيار/مايو إنها نقلت نحو 130 من سكان القطاع من حملة التأشيرات عبر كرم أبو سالم إلى الأردن، بحسب شبكة «CGTN» التي أفادت كذلك بتسجيل نحو 2500 حالة خروج و2300 حالة دخول عبر معبر رفح.
بهذه الأرقام تُقرأ الضغوط الدافعة إلى الرحيل. فقد قدّر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، استنادا إلى مسح القوى العاملة للربع الرابع من عام 2024، معدل البطالة الإجمالي في غزة بنحو 69%، فيما بلغت البطالة في الفئة العمرية 15-29 عاما 80%. وأشار الجهاز إلى أن عدد الشباب بين 18 و29 عاما يبلغ نحو 1.2 مليون في عموم الأرض المحتلة، أي 21% من السكان حتى منتصف عام 2025.
أما في الضفة الغربية فالانهيار أبطأ وأفضل توثيقا. سجّل الجهاز المركزي للإحصاء بطالة بنسبة 27.5% بين المشاركين في القوى العاملة خلال الربع الرابع من عام 2025، مع نقص في استخدام العمالة بلغ 30%. وبين الشباب من 19 إلى 29 عاما من حملة الدبلوم المتوسط فأعلى، قدّر الجهاز البطالة بـ28.3% لدى الذكور و44.5% لدى الإناث؛ أي أن الشهادة التي يحصّلها الشاب الفلسطيني هي نفسها التي تعجز عن إيجاد عمل له.
وفي البيانات ذاتها يظهر حجم الصدمة. أفاد الجهاز بأن عدد العاطلين عن العمل في الضفة الغربية ارتفع من نحو 129 ألفا في الربع الثالث من عام 2023 إلى نحو 280 ألفا في الربع الرابع من عام 2025، فارتفع المعدل من نحو 13% إلى 28%، وعزا ذلك إلى فقدان العمل داخل إسرائيل والمستوطنات بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023.
أما قياسات الرغبة في الهجرة فأقدم من الحرب، وهي متضاربة. تضع بيانات مسوح الجهاز المركزي للإحصاء نسبة الراغبين في الهجرة بين الفئة 15-29 عاما في غزة عند 37%، مقابل 15% في الضفة الغربية.
وخلصت الموجة الثامنة من «الباروميتر العربي»، التي نشرها في فلسطين المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية عام 2024، إلى أن 31% في غزة و21% في الضفة قالوا إنهم يرغبون في الهجرة، وأن 45% أرجعوا ذلك إلى أسباب اقتصادية، بواقع 54% من سكان غزة مقابل 37% من سكان الضفة.
غير أن رقما أعلى بكثير يجري تداوله من الجانب الإسرائيلي؛ إذ ذكرت صحيفة «جيروزاليم بوست» في أيار/مايو أن استطلاعا أجرته «كوغات» وعُرض على مسؤولين إسرائيليين كبار وجد أن نحو 80% من سكان غزة مهتمون بالهجرة. ولم تنشر الصحيفة عيّنة الاستطلاع ولا منهجيته، ولم يصدر أي تكرار مستقل لهذا الرقم.
وحيثما جرى استطلاع الوجهات المفضّلة، تتجمع الإجابات في نطاق ضيق: فقد أورد تحليل نشره موقع «واي نت» الإسرائيلي في نيسان/أبريل 2025، نقلا عن نتائج استطلاع، تركيا في المرتبة الأولى، تليها ألمانيا وكندا والولايات المتحدة وقطر، ووجد أن الرغبة في المغادرة تتركز لدى الفئة 18-29 عاما وحملة الشهادات الجامعية.
أما كلفة المغادرة فموثقة عن فترة أُغلقت أبوابها. ففي الأشهر الأولى من الحرب، حين كان معبر رفح المنفذ الوحيد، ذكر موقع «ذي إنترسبت» في آذار/مارس 2024 أن وكالة سفر تتولى تنسيق الدخول إلى مصر أعلنت عن تسعيرة قدرها 5 آلاف دولار للبالغ و2500 دولار لمن هم دون السادسة عشرة، ونقلت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»
تقريرا للقناة الإسرائيلية الحادية عشرة أورد الأرقام ذاتها. وقال مشروع «OCCRP»، في تحقيق أنجزه مع «iMEdD» استنادا إلى مقابلات مع 15 فلسطينيا ومصريا تواصلوا مع سماسرة، إن الأسعار تذبذبت بشدة، وإن حاملي الجنسية المصرية دفعوا ما بين 650 و1200 دولار تقريبا.
ولا ترد في السجل المنشور بيانات أسعار مماثلة عن الترتيبات الحالية عبر كرم أبو سالم ورفح.
وللطريق البحري خارج المنطقة كلفته الخاصة، ولا تكاد توجد إحصاءات بشأنه. أفادت وكالة الأناضول عام 2021 بغرق قارب كان يقلّ 11 فلسطينيا في طريقهم إلى اليونان، وأن خفر السواحل التركي أنقذ ثمانية منهم، فيما توفي رجل وبقي اثنان في عداد المفقودين. ولا تثبت أي أرقام مسترجعة ما إذا كان هذا الطريق مستخدما انطلاقا من غزة اليوم.
وتظهر المهن التي تتحمل وطأة النزيف في المستشفيات. فقد قال مدير مجمع الشفاء الطبي محمد أبو سلمية لصحيفة «القدس العربي»
الصادرة في لندن هذا الشهر إن المنظومة الطبية فقدت زملاء أكفاء، بين قتيل ومعتقل ومن غادر، وإن هجرة الأطباء مشكلة استراتيجية للقطاع؛ فمع كل مغادرة، على حد قوله، تخسر المستشفيات جزءا من قدرتها، ويزداد العبء على من بقي، وتواجه بعض التخصصات نقصا حادا، ويطول انتظار المرضى.
وأضاف أنه كان بين مئات الأطباء الذين اعتُقلوا دون توجيه تهم إليهم.
والمنظومة التي يغادرونها تعاني أصلا نقصا في كل شيء. فقد أعلنت وزارة الصحة في غزة في أيار/مايو أن 47% من الأدوية الأساسية و59% من المستهلكات الطبية و87% من مواد الفحوصات المخبرية بلغت الرصيد الصفري، وفق ما نقله موقع «فلسطين أون لاين». ووصفت ممرضة في مقابلة مع خدمة «يونيفيد» التابعة للأمم المتحدة في الشهر ذاته استقبال 150 إلى 200 حالة يوميا بوجود ممرضة أخرى وطبيب واحد في المناوبة.
أما في الضفة الغربية فالدافع هو الأجر. إذ تبلغ ديون وزارة الصحة في السلطة الفلسطينية نحو 3.5 مليارات شيكل، أي ما يقارب 1.2 مليار دولار، وهو رقم نسبته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في حزيران/يونيو إلى منظمة «أطباء لحقوق الإنسان - إسرائيل»، في تقرير تحدث عن إضراب أطباء احتجاجا على خصومات الرواتب والنواقص في 15 مستشفى حكوميا و447 عيادة، بعد تجميد إسرائيلي دام عاما لتحويلات أموال المقاصة الفلسطينية.
ولم تنشر أي مؤسسة فلسطينية حصرا لأعداد الأطباء والممرضين والمهندسين والأكاديميين الذين غادروا منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيما تعود أحدث مسوح الجهاز المركزي للإحصاء حول نوايا الهجرة إلى ما قبل الحرب. وذكرت «إسرائيل هيوم»
أن مديرية أُنشئت لنقل سكان غزة إلى الخارج من دون موافقة دول المقصد على كل حالة على حدة لم يُكتب لها العمل قط. أما ما إذا كان الرقم الأسبوعي البالغ 400 سيرتفع، وما إذا كان يُسمح لمن يعبرون من كرم أبو سالم بالعودة، فلا تحدده أي قاعدة منشورة.


