كل الأخبار ←🌐 English
عاجل

تايمز أوف فلسطين

أبحاث وتحقيقات

حمد بن جاسم يصرّ على أن مقرّبين من عرفات قتلوه

تايمز أوف فلسطين

حمد بن جاسم يصرّ على أن مقرّبين من عرفات قتلوه

Graphic: Times of Palestine

تقرير أصلي

لم يجلس مسؤول عربي إلى طاولات التفاوض في المنطقة أطول مما جلس الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، وزير خارجية قطر من 1992 حتى 2013 ورئيس وزرائها بين 2007 و2013. فحين يقول إنه يعرف شيئاً عن موت ياسر عرفات، يُصغي الفلسطينيون — ويختلفون.

جاءت شهادته الأشد دوياً في سلسلة «الصندوق الأسود» مع الإعلامي الكويتي عمار تقي، التي بثّتها منصة «القبس» في فبراير/شباط 2022. قال يومها إن عرفات «قُتل بالتأكيد على يد شخص قريب منه».

ولم يتراجع عن تلك الجملة قط. فعبر سلسلة مقابلات وتصريحات تلت — آخرها حوار مطوّل في برنامج «المقابلة» على الجزيرة في مايو/أيار 2026 وتدوينة واسعة الانتشار هذا الشهر — ظل الرجل يعود إلى فلسطين، وظل ملف عرفات يلاحقه.

الاجتماع الذي عُقد في مكتبه#

جوهر روايته اجتماعٌ يقول إنه انعقد في مكتبه هو. قال للبرنامج: «قبل عدة أشهر من مرضه، عُقد في مكتبي بالدوحة لقاء حضرته شخصيات فلسطينية وممثلون عن الجانب الإسرائيلي، وناقشنا كافة الآليات التي سيتمكن من خلالها عرفات من الخروج سالماً من الأزمة إلى خارج فلسطين».

كان عرفات آنذاك في عامه الثالث محاصَراً بين أنقاض المقاطعة في رام الله، تحت حصار إسرائيلي بدأ عام 2002، فيما كان وزراء إسرائيليون يتجادلون في طرده من البلاد. وتداولت عواصم عدة في تلك السنوات مقترحات لخروجٍ تفاوضي؛ ورواية حمد بن جاسم تضع أحد خيوطها في الدوحة، والطرفان في الغرفة.

ثم أُقفلت القناة فجأة، على حد قوله: «بعد مرور وقت قصير، أعلنت الأطراف التي اجتمعتُ معها أنه لا حاجة للاستمرار في نقاش القضية».

«التغير المفاجئ في صحة عرفات يدل على أن هناك شيئاً ما يُحاك له، وربما هناك من أعطى عرفات شيئاً ما من أجل القضاء عليه»

حمد بن جاسم — «الصندوق الأسود»، فبراير/شباط 2022

وحين سُئل إن كان يوجّه اتهاماً بجريمة قتل، رفض التوصيف نفسه: «هذه ليست ادعاءات، هذه هي الحقيقة». لكنه لم يسمِّ أحداً، ولم يقدّم وثيقة واحدة، لا يومها ولا بعدها.

ما يقوله السجل الجنائي فعلاً#

مرض عرفات فجأة في أكتوبر/تشرين الأول 2004، ونُقل جواً إلى مستشفى بيرسي العسكري قرب باريس، حيث توفي في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2004 عن 75 عاماً. وسجّل الأطباء الفرنسيون يومها جلطة دماغية ناجمة عن اضطراب في الدم، ولم يرصدوا أي سم.

انفتح الملف مجدداً عام 2012، حين دفع تحقيق للجزيرة معهدَ الفيزياء الإشعاعية في لوزان السويسرية إلى فحص أغراض عرفات الشخصية، فأعلن العثور على آثار بولونيوم-210. ونالت أرملته سهى عرفات فتح تحقيق جنائي فرنسي واستخراج جثمانه من ضريحه في رام الله في نوفمبر من العام نفسه.

ثم انقسم العلم ثلاث شعب. فريق لوزان وجد في تقريره عام 2013 مستويات من البولونيوم في ضلوعه وحوضه تفوق الطبيعي بثمانية عشر ضعفاً، وخلص إلى أن النتائج «تدعم باعتدال» فرضية التسميم، بثقة قدّرها العلماء بنحو 83 في المئة. الفريق الروسي رأى الأدلة غير كافية.

وخبراء القضاء الفرنسي أرجعوا الإشعاع إلى غاز الرادون البيئي في الضريح، فأغلق القضاة الفرنسيون الملف عام 2015 بحكمٍ يقول إنه لم يثبت أن عرفات قُتل بالبولونيوم — وهو استنتاج وصفه علماء لوزان علناً بأنه «قابل للنقاش»، ووصفه محامو سهى عرفات بالمنحاز. ورفضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لاحقاً إعادة فتح التحقيق.

أما لجنة التحقيق الفلسطينية الرسمية برئاسة توفيق الطيراوي فتصرّ على أن عرفات اغتيل، وتضع المسؤولية على إسرائيل التي تنفي. هذا هو السجل المعلّق الذي ألقى فوقه حمد بن جاسم اتهاماً مختلفاً تماماً: لا يدُ الاحتلال، بل يدٌ من داخل البيت.

صمت رام الله والردود المضادة#

لم تردّ عليه أي جهة فلسطينية رسمية. فلا الرئاسة ولا حركة فتح ولا لجنة الطيراوي أصدرت جواباً على اتهام المسؤول القطري، وهو صمت سجّلته وسائل إعلام عربية حينها. جاء الردّ من الكتّاب بدلاً من ذلك: موقع «أمد» الفلسطيني نشر مقالاً يصف السلسلة بأنها «صندوق الكذب الأسود»، وتساءل موالون لفتح كيف يجلس رجل على معرفة كهذه ثمانية عشر عاماً ثم يخرجها في برنامج حواري كويتي.

الرجل نفسه اشتكى لاحقاً من أن الجهة الباثّة حذفت مقاطع من أكثر من خمس عشرة حلقة رغم اتفاق على البث الكامل من دون حذف — وهو ما يُبقي السؤال مفتوحاً عمّا احتواه «الصندوق» أيضاً.

ما قاله في فلسطين غير ذلك#

إذا كان اتهام مقرّبي عرفات قد أثار عليه رام الله، فإن بقية سجله الفلسطيني تسير في اتجاه آخر. ففي مايو/أيار 2024، والحرب على غزة في شهرها الثامن، حذّر عبر منصة إكس من «مخطط لتصفية القضية الفلسطينية» ودفن حل الدولتين، كاتباً أن جبهة فلسطينية موحدة في غزة والضفة الغربية وحدها القادرة على إفشاله، بحسب ما نقل موقع ميدل إيست مونيتور.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025 عاد بوصفة عملية: انتخابات فلسطينية شاملة تشارك فيها كل القوى والمكوّنات — «سواء في غزة أو الضفة الغربية أو الشتات» — تُنتج مصالحة وطنية و«رئيساً فلسطينياً قادراً على حمل مسؤوليات المرحلة المقبلة». ودعا الجامعة العربية إلى دعم الانتخابات، والفلسطينيين إلى إبقاء الطموحات «في حدود الواقع كي لا يستمر الجمود الحالي، لأن المرحلة المقبلة على الفلسطينيين دقيقة ومصيرية».

أما حصيلته الأوفى فجاءت في «المقابلة» مع علي الظفيري على الجزيرة في مايو/أيار 2026. أدان قتل المدنيين من أي طرف، ثم وصف الرد الإسرائيلي في غزة بأنه «كارثة أخلاقية وسياسية» قتلت أكثر من 72,500 فلسطيني وأخذت تنخر الرواية الإسرائيلية في أوروبا والولايات المتحدة.

مقابلة حمد بن جاسم في برنامج «المقابلة» على الجزيرة، مايو 2026

وفي الحوار نفسه حذّر من مشروع تهجير، قائلاً إن لديه معلومات عن أموال تُعرض لتشجيع سكان غزة على المغادرة، بما يحوّل القطاع بتعبيره إلى «مشروع عقاري».

ورفض أي نزع لسلاح حماس من دون أفق سياسي مضمون نحو دولة فلسطينية مستقلة، وأشاد برفض السعودية التطبيع مع إسرائيل من دون خارطة طريق للدولة، واتهم بنيامين نتنياهو باستغلال حرب إيران لتسويق «إسرائيل الكبرى» وفرض إعادة تشكيل المنطقة.

وأضاف أن أكبر خطر على الخليج ليس إيران ولا إسرائيل بل الانقسام العربي، داعياً منذ ذلك الحين إلى ترتيب دفاعي عربي مشترك.

وكان أكثر حدةً هذا الشهر. كتب على إكس في 5 أغسطس/آب، في تدوينة أوردتها سي إن إن بالعربية: «ما يجري الآن في غزة هو جرائم بحق الإنسانية تقوم بها إسرائيل»، مذكّراً بعدد اللجان التي شُكّلت لوقف الحرب وقلّة ما أوقفته.

شاهد يُبقي الملف مفتوحاً#

تبقى شهادة حمد بن جاسم في ملف عرفات على حالها منذ 2022: ذكريات وسيطٍ جلس في موقع لا يجلس فيه غيره، دقيقة في تحديد الغرفة والتوقيت، خاوية من الأسماء والأدلة، ولم يجادلها أحد لأن أحداً من أصحاب الصفة لم يشتبك معها. والسجل الجنائي مجمّد: بولونيوم عُثر عليه، وتسميم لم يثبت، وملف فرنسي أُغلق، وملف فلسطيني ما زال مفتوحاً رسمياً وموجّهاً رسمياً نحو إسرائيل.

وما يواصل الرجل إثباته، من دعوة الانتخابات إلى التحذير من «المشروع العقاري»، أن من أدار دبلوماسية قطر عقدين كاملين يعتبر القضية الفلسطينية ملفاً لم يُغلق — وفي صدارته، بإصرار، سؤال كيف مات أشهر قادتها.

آخر الأخبار