اقتصاد وإغاثة
مع عودة الأسواق.. الاحتلال يمنع إدخال نقد جديد لغزة
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
أفاد 77 في المئة من الأسر التي شملها مسح في قطاع غزة خلال تموز/يوليو بأنهم يواجهون صعوبة في الوصول إلى الأسواق، لعدم توفر النقد وعجزهم عن شراء الغذاء الأساسي، مقابل 67 في المئة في الشهر السابق، وفق تقرير الوضع الإنساني الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في 31 تموز/يوليو 2026، نقلاً عن رصد برنامج الأغذية العالمي.
أما البسطات فقد عادت. ففي خان يونس، يجري 82 في المئة من البيع بصورة غير رسمية وداخل الخيام، وفي شمال غزة يشكّل الباعة المتجولون 40 في المئة من نشاط البيع، بحسب رصد للأسواق أورده أوتشا في تحديثه رقم 355 بشأن غزة.
ما لم يعد هو المال العامل. فنحو 93 في المئة من فروع البنوك في القطاع تضررت أو خرجت عن الخدمة، وفق ما ذكرته Prism Reports في آذار/مارس نقلاً عن الجزيرة. وخرج نحو 91 صرافاً آلياً عن الخدمة بعد تدميرها جزئياً أو كلياً، بحسب سلطة النقد الفلسطينية التي نقلت عنها Mada Masr في تموز/يوليو.
وأعاد بنك فلسطين فتح أبوابه جزئياً في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2025 في ظل وقف إطلاق النار، وفق Truthout.
هبطت الأسعار بحدّة فور توقف القتال، ثم استقرت فوق مستوياتها الأولى. وسجّل الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تراجعاً بنسبة 40.42 في المئة في الرقم القياسي لأسعار المستهلك في غزة خلال تشرين الأول/أكتوبر 2025 مقارنة بأيلول/سبتمبر، تلاه تراجع آخر بنسبة 34.70 في المئة في تشرين الثاني/نوفمبر.
وعلى مدار عام 2025 كاملاً، أعلن الجهاز ارتفاع الرقم القياسي لأسعار المستهلك في فلسطين بنسبة 21.93 في المئة قياساً بعام 2024، وعزا ذلك إلى تقلبات سعرية غير مسبوقة ومستويات تضخم جامح في أسواق غزة.
وبلغت سلة الإنفاق الدنيا التي يعتمدها برنامج الأغذية العالمي، بحسب ما نقل أوتشا، ذروتها عند 11984 شيكلاً في تموز/يوليو 2025، ثم استقرت عند 1989 شيكلاً في تشرين الثاني/نوفمبر، أي أعلى بـ16 في المئة من خط الأساس قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023 البالغ 1717 شيكلاً.
وذكر أوتشا في تقريره الصادر في 15 أيار/مايو 2026 أن تقييمات الغرفة التجارية والشركاء الإنسانيين رصدت استقراراً في الأسعار بعد الذروة المسجلة خلال التصعيد الإقليمي، مع انخفاض بعض السلع بنسبة تراوحت بين 10 و20 في المئة.
بين سعر السلعة ولحظة شرائها تقف العمولة. فوسطاء تحويل الرصيد إلى نقد، المعروفون في غزة بـ«التكييش»، فرضوا عمولات وصلت إلى 55 في المئة خلال 2025، وفق Prism Reports نقلاً عن «صدى نيوز» و«العربي الجديد». وقال أحمد الدعور، الموظف في وزارة التربية والتعليم، لوكالة «شينخوا» في آب/أغسطس 2025 إن عمولة سحب راتبه بلغت 55 في المئة.
وأوردت Mada Masr أن النسب تراجعت إلى ما بين 15 و30 في المئة خلال وقف إطلاق النار القصير مطلع 2025، ثم عاودت الارتفاع بعد آذار/مارس. ووصفت Truthout عمليات سحب خرج فيها صاحب 3000 شيكل من البنك بـ1800 فقط.
وتحوّلت الأوراق النقدية نفسها إلى أداة فرز. فقبل عام 2023، كانت السلطات الفلسطينية والإسرائيلية تنسّق لاستبدال الأوراق التالفة، غير أن هذا التنسيق توقف، وفق Mada Masr، وانتشرت في أسواق غزة بسطات ترمّم الأوراق النقدية لقاء أجر. ويكسب من يرمّم العملة نحو خمسة شواكل عن كل ورقة، بحسب مؤسسة الدراسات الفلسطينية، التي وجدت كذلك أن حالة الورقة تؤثر في العمولة المفروضة عليها، إذ يحمل الورق البالي نسبة أدنى من الورق النظيف.
ويتولى التجار فرض هذا التمييز. وقال بائع عرّف عن نفسه باسم عبد النبي لمجلة +972 في كانون الأول/ديسمبر: «هذه الأوراق التالفة عديمة الفائدة عملياً»، موضحاً أنه توقف عن قبول الأوراق الممزقة قليلاً بعدما رفضها مورّدوه. وكان قد أعاد فتح بسطته عقب وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر، بعد إزالة الركام أولاً.
شروط الدفع تُصاغ في أعلى السلسلة. فقد حصرت إسرائيل الاستيراد بمجموعة من التجار المعتمدين، خمسة في البداية ثم عشرة والآن 13، وفق ما قاله الاقتصادي المقيم في غزة أحمد أبو قمر لـMada Masr في تموز/يوليو.
وأضاف أن رفض هؤلاء التجار الأوراق البالية أو فئة العشرة شواكل في يوم ما يجعل السوق كله يسير على المنوال ذاته. وقال بائعان للموقع نفسه إنهما اضطرا إلى مطالبة الزبائن بالدفع الإلكتروني لأن كبار التجار يشترطون ذلك عليهما.
ودفعت المؤسسات في الاتجاه نفسه. ففي 16 كانون الثاني/يناير 2026، أطلقت الغرف التجارية الفلسطينية وسلطة النقد الفلسطينية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونيسف حملة للترويج للدفع الإلكتروني في غزة، وفق Truthout.
وأصدرت سلطة النقد تعميماً يتيح للتجار التسجيل ببطاقة الهوية الوطنية وحدها، وجرى إدخال نحو ألف تاجر جدد إلى المنظومة، زُوّد أكثر من مئة منهم بقارئات بطاقات تعمل عبر الهاتف، بحسب صندوق الأمم المتحدة للمشاريع الإنتاجية في حزيران/يونيو.
لكن نجاح ذلك يومياً يتوقف على الشبكة، إذ قالت الكاتبة والمترجمة غيداء العبادسة لمؤسسة الدراسات الفلسطينية إن تطبيقات البنوك تتعطل كثيراً لانقطاع الإنترنت.
والأموال الآتية من الخارج تتآكل مرتين. وقالت العبادسة إنها تخسر نحو 20 في المئة من التحويلات الواردة من الخارج قبل عمولة السحب؛ فمن كل 500 دولار تُرسل إليها يصل حسابها نحو 350 دولاراً.
وباتت المساعدات النقدية تشكّل حصة معتبرة من دخل الأسر. فقد وزّعت مجموعة العمل النقدي 330 ألف دفعة نقدية متعددة الأغراض بين 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025 و25 كانون الثاني/يناير 2026، وفق أوتشا، وبحلول أواخر شباط/فبراير كانت أكثر من 165 ألف أسرة قد تلقت تحويلاً واحداً على الأقل خلال 2026، بقيمة 1250 شيكلاً لكل تحويل.
أما الدخل في الجهة المقابلة فضئيل وغير موثّق في معظمه. وقدّر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني البطالة في غزة بنحو 68 في المئة في الربع الأخير من عام 2024، مقابل نحو 45 في المئة قبل الحرب، مع معدل مشاركة في القوى العاملة قارب 25 في المئة.
ولا يوجد ضمن التقييمات المنشورة التي جُمعت لهذا التقرير ما يقيس حجم البيع بالدَّين الذي يمنحه أصحاب المحال في غزة لزبائنهم أو شروطه؛ فالممارسة موصوفة في التغطيات الصحفية لكنها غير مقيسة.
ويبقى العرض نصف الأزمة الآخر. فقد غاب الطحين التجاري عن الأسواق في أواخر آذار/مارس، وارتبط توفره بشكل شبه كامل بتوزيعات الطرود التابعة لبرنامج الأغذية العالمي، وفق مرصد الأسواق التابع للبرنامج، الذي حذّر من تنامي الاحتكارات. كما اختفى البيض إلى حد كبير.
ويبقى ما يدخل إلى القطاع محل خلاف. فالمكتب الإعلامي الحكومي في غزة يقول إن الإمدادات أقل بكثير من الحاجة، في حين تقول «كوغات»، الجهة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن الشؤون المدنية، إن شحنات الغذاء منذ وقف إطلاق النار تجاوزت الاحتياجات التي حددها برنامج الأغذية العالمي، وفق ما نقلته صحيفة «الخليج» في تموز/يوليو.
وقال مدير مكتب برنامج الأغذية العالمي في غزة ويلي نييكو لأخبار الأمم المتحدة في نيسان/أبريل إن الوضع الغذائي هش إلى حد خطير، وإن المعابر أُغلقت أو قُلّص العمل فيها منذ بدء التصعيد الإقليمي في 28 شباط/فبراير 2026.
وأفاد أوتشا في 31 تموز/يوليو بأن تراجع تغطية المساعدات منذ شباط/فبراير يهدد بعكس المكاسب التي سجّلها التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي. ولم يُعلن حتى الآن أي موعد للسماح بإدخال أوراق نقدية جديدة إلى غزة.



