اقتصاد وإغاثة
المصارف الفلسطينية تختبر ما يبقى من مدفوعاتها بلا وسيط إسرائيلي
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
قبل أسبوعين من الموعد الأول، ضاق السؤال في رام الله: لم يعد "هل يُغلق قناة الشيكل؟" بل "ماذا يبقى عاملاً إن أُغلقت؟".
أبلغ بنك ديسكونت الإسرائيلي نظراءه الفلسطينيين في تموز أنه ينوي إنهاء خدمات المراسلة في الأول من أيلول، وأشار بنك هبوعليم إلى الأول من تشرين الأول. وبرّر البنكان قرارهما بالمخاطر التي يتحمّلانها بموجب قانون تمويل الإرهاب الإسرائيلي من دون ضمانة دائمة، وقالا ذلك بعد أن مدّدت وزارة المالية الإعفاء القائم حتى نهاية هذا العام فقط.
الحجم هو سبب أهمية التاريخ. فقد قدّرت وكالة "رويترز" حركة الأموال عبر البنكين الإسرائيليين بنحو 51 مليار شيكل سنوياً، أي قرابة 16.6 مليار دولار، فيما يمرّ نحو 90 في المئة من التجارة الفلسطينية عبر إسرائيل.
ما تستطيعه سلطة النقد وما لا تستطيعه#
حملت سلطة النقد الفلسطينية قضيتها إلى جمهور دولي هذا الصيف، فحذّرت في بيان وُزّع خارجياً من أن قطع علاقات المراسلة يهدّد الاقتصاد والحياة اليومية، وطلبت من الحكومات التحرك قبل ما سمّته نقطة الانهيار.
قيدها الأساسي ليس الكفاءة بل العملة. فالسلطة تنظّم المصارف وتحتفظ بالاحتياطات وتدير نظام دفع وطنياً، لكنها لا تُصدر نقداً. وبموجب بروتوكول باريس يدور الشيكل، وتسوية شيكل خارج المنظومة الفلسطينية تستلزم مؤسسة إسرائيلية.
لهذا صارت مشكلة الفائض مشكلة مادية. تحتفظ الخزائن الفلسطينية بأوراق نقدية لم يستوعبها بنك إسرائيل، قدّرتها التحليلات الاقتصادية الفلسطينية هذا الصيف بنحو 18 مليار شيكل، أي قرابة ستة مليارات دولار: نقد موجود ومعدود، ولا يُسوّي شيئاً في الخارج.
المسارات المطروحة.. وأين يتوقف كل منها#
تحتفظ المصارف الفلسطينية بعلاقات مع نحو 400 مؤسسة مراسلة حول العالم، ونقلت صحيفة "القدس" المقدسية أن وسطاء إقليميين ودوليين قيد الدراسة لتمويل التجارة والحوالات والمقاصة. هذه القنوات تتعامل بالدولار واليورو، ولا تُقاصّ أي منها الشيكل.
المسار الثاني هو العملة نفسها. تدرس سلطة النقد وجهات اقتصادية فلسطينية التحوّل نحو الدينار الأردني والدولار والجنيه المصري والدرهم، وعودة تدريجية إلى الدينار في المعاملات التجارية كما كان قبل 1987. لكن الرواتب والإيجارات والأقساط الجامعية وعقود التوريد مكتوبة بالشيكل، وتغيير العملة إعادة تسعير للاقتصاد كله لا تعليمات مصرفية.
المسار الثالث رقمي. نمت المحافظ الإلكترونية — "بال باي" و"جوال باي" — بسرعة؛ إذ سجّلت ميلاني روبنز من "المجلس الأطلسي" ارتفاع المعاملات من نحو 40 مليون دولار إلى 115 مليوناً مطلع 2025. هي تُحرّك المال داخل الأرض المحتلة، والشيكل الذي تُحرّكه يحتاج المقاصة الإسرائيلية نفسها عند الحدّ.
المحفظة الإلكترونية وحساب الدينار والمصرف المراسل في عمّان.. كلها تُحرّك المال.
ولا يستطيع أي منها تسوية شيكل واحد من دون بنك إسرائيلي في الوسط.
من يشعر بالضربة أولاً#
أول من يشعر ليسوا التجار الكبار، بل مستوردو الدواء والوقود الذين يدفعون لمورّدين إسرائيليين ودوليين بالشيكل، والمنظمات الإنسانية التي تدفع رواتب موظفيها داخل غزة، والبلديات التي تُوفي رواتبها، والطلبة الذين تعبر أقساطهم الجامعية عبر مصرف.
تدفع السلطة الفلسطينية رواتب جزئية أصلاً لأن إسرائيل تحتجز نحو ستة مليارات دولار من أموال المقاصة. تجميد المقاصة يحدّد كم من المال موجود، وسؤال المراسلة يحدّد هل يستطيع التحرك.
ولا يجيب أي مصدر علني عمّا يحدث في الثاني من أيلول لحوالة في الطريق، ولا عن المدة التي تستطيع فيها المصارف الاستعاضة بالنقد والمقاصة الداخلية قبل أن يتوقف تمويل التجارة. لم تنشر سلطة النقد جدول طوارئ، ولم يقل أي من البنكين الإسرائيليين إن ضمانة إضافية ستُلغي إشعاره.
المؤكد هو التسلسل: إشعاران تجاريان وتجميد وزاري، تُتَّخذ قراراتها كلها على جانب واحد من الخط الأخضر، وتتقاطع كلها في الخريف نفسه، والمؤسسة المطالَبة باستيعابها لا تطبع العملة التي يجري قطعها عنها.


