الشتات الفلسطيني
في ماديسون.. مطرِّزات أميركيات يعرضن تطريز نساء الخليل ويشترينه
.jpg?width=640)
Photo: Ma'moun Othman / Wikimedia Commons, CC BY-SA 4.0 · الترخيص
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
على جدار واحد في صالة فنون بمدينة ماديسون الأميركية، يتجاور هذا الصيف تطريزُ مجموعتين من النساء: حلقة تطريز تلتقي في مدينة يسكنها نحو 270 ألف نسمة في قلب الغرب الأميركي، وتعاونية نساء فلسطينيات في تلال غرب الخليل، حيث الخيط نفسه هو دخل البيت.
افتُتح معرض "التطريز تضامناً: من تيجوب إلى فلسطين" في مختبر الفنون والأدب (Arts + Literature Laboratory) في السابع من تموز/يوليو، ويُغلق أبوابه في 29 آب/أغسطس. وتقول الصالة، الواقعة في شارع ساوث ليفينغستون، إنه معرض جماعي لأعمال "مجموعة تيجوب للتطريز" و"نساء في الخليل: تعاونية"، نظّمه مشروع "لاب^4" للتنسيق المجتمعي التابع لها.
المعنى في الاقتران نفسه. فالصالة تصف التطريز في تعريفها بالمعرض بأنه ممارسة جماعية تنتقل من الأم إلى ابنتها، كانت تُلقَّن للفتاة الفلسطينية في السادسة من عمرها، وتحملها اليوم فلسطينيات من الجيلين الأول والثاني وجاراتهنّ في ماديسون. تعاونية الخليل فلسطينيات خالصاً، أما المجموعة الأميركية فمتعددة الأعراق والأجيال، بحسب وصف الصالة.
و"تيجوب" هو اسم شعب الهو-تشنك الأصلي للبرزخ ذي البحيرات الأربع الذي بُنيت عليه المدينة. بلدية ماديسون نفسها استعادت الكلمة هذا الشهر، فأطلقت في التاسع من آب/أغسطس "مشروع تيجوب الفني المجتمعي" تكريماً لتاريخ الهو-تشنك. ومعرضُ تطريز فلسطيني يستعير الاسم ذاته يقول جملة مدنية هادئة عن أرض مَن يقف عليها الناس.
المرأة التي حملت الخيط إلى ويسكونسن#
بدأ الطرف الأميركي من الحكاية بزيارة. ففي حزيران/يونيو 2024 نقلت صحيفة "كاب تايمز" أن ليلى حسن، فنانة النسيج الفلسطينية المولودة عام 1961 وإحدى مؤسسات "نساء في الخليل" ومصمِّماتها، أمضت نهار أحدٍ في دار اللقاء للكويكرز في ماديسون تعرض أعمال التعاونية، باستضافة "مشروع مدينة ماديسون - رفح التوأم" ورعاية "شركاء فلسطين".
وقالت للصحيفة إن الوصية التي أطلقت المشروع كله جاءت من أمها.
إن أردتِ أن تكوني قوية، فعليكِ أن تكوني أكثر استقلالاً.
ليلى حسن، تروي وصية أمها لصحيفة "كاب تايمز"
"التطريز صار جزءاً من قلبي"، قالت في المقابلة ذاتها. وكانت في ويسكونسن بينما غزة تحت القصف، فلم تخفِّف المسافة شيئاً: "أنا سعيدة بوجودي هنا، لكنني لا أستطيع أن أستمتع بوقتي. أفكّر بأهلي طول الوقت".
انطلقت "نساء في الخليل" عام 2005 من طاولة على الشارع الرئيسي في سوق البلدة القديمة، ثم صارت محلاً ثابتاً هناك على مرمى خطوات من المسجد الإبراهيمي. وتعمل التعاونية تحت مظلة جمعية إذنا التعاونية للتطريز والصناعات اليدوية، نسبةً إلى بلدة إذنا جنوب غرب الخليل، وذكرت "كاب تايمز" أنها تعمل اليوم مع أكثر من 150 مطرِّزة.
ما تريده التعاونية محدَّد بدقة، وهو سبب أهمية جدارٍ في ويسكونسن لبيت في تلال الخليل: أن تعتمد أقلّ على المساعدات الإنسانية. فالمساعدة يوقفها برلمان أجنبي في عصر يوم واحد، أما المشترية التي تحمل غطاء وسادة مطرَّزاً إلى بيتها فلا يستطيع أحد أن يضغط عليها لتُلغي أجرَ المطرِّزة.
وقد وضع تقرير "كاب تايمز" هذا الطموح في سياق تعليق إسرائيل أكثر من 110 آلاف تصريح عمل فلسطيني، وهو ما جرّد أُسَراً في الضفة من مصدر رزقها الأول.
بلدة قديمة مغلقة.. وحسابُ محلٍّ صغير#
عنوان المحل يشرح حجم المخاطرة. فهو في منطقة H2 من وسط الخليل الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، حيث أورد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن نحو 33 ألف فلسطيني يقيمون فيها إلى جانب قرابة 700 مستوطن إسرائيلي، وأن أكثر من 20% منهم — قرابة 7 آلاف شخص — يعيشون في مناطق مقيَّدة الوصول.
وأورد المكتب نفسه أن مسحاً أُجري عام 2015 لما يعرِّفه بـ"بلدة الخليل القديمة" وجد 1079 وحدة سكنية فارغة من 3369 وحدة شملها المسح، أي ما يقارب ثلث الحي. وشارع الشهداء، الذي كان شريان المدينة التجاري، مغلق أمام سيارات الفلسطينيين منذ 1994 وأمام معظم المارّة الفلسطينيين منذ 2001.
التجارة في ذلك الحي ليست إذن مشروعاً اقتصادياً عادياً. وتعاونيةُ نساء تُبقي محلاً مفتوحاً في وسطه، وتُوصل عملها إلى جدران وبيوت على مسافة ثمانية آلاف كيلومتر، تشغّل اقتصاداً في وجه إغلاق.
ثلاثة وعشرون عاماً لتوأمةٍ رفضتها البلدية#
الشبكة الأميركية التي يقف عليها المعرض أطول عمراً منه. تأسس "مشروع مدينة ماديسون - رفح التوأم" عام 2003 على أيدي مجموعة صغيرة من سكان المدينة أرادوا صلة مباشرة بين الناس والناس مع رفح. وكانت أول معركته أن يُعترَف به، فخسرها.
ونقلت دورية "ويسكونسن مسلم جورنال" أن أغلبية أعضاء المجلس البلدي الحاضرين صوّتوا عام 2004 لصالح التوأمة، لكن المقترح سقط بفارق صوت واحد بموجب قاعدة في نظام المجلس، بعد أن أعلن رئيس بلدية ماديسون في ذلك الوقت أنه سيستخدم حق النقض ضدّه. واصلت المجموعة عملها مدينةً توأماً غير رسمية، وسجّلت نفسها منظمة غير ربحية، وبقيت.
وما بنته في تلك السنوات قائمةُ أشياء صغيرة منتهية: آبار أُعيد ترميمها، وشبكات مياه لمدارس، وملعب أطفال في تل السلطان، وعلاج لأطفال جُرحوا في غزة، و"مشروع سميرة" للدعم النفسي، وحقائب مدرسية، وإحياء سنوي لذكرى راشيل كوري، المتطوعة الأميركية التي سحقتها جرافة الجيش الإسرائيلي في رفح عام 2003.
وإلى جانب ذلك كله يجري النشاط الأقلّ بهرجة: بيع الحرف الفلسطينية وزيت الزيتون في المهرجانات المحلية، وهو الطريق الذي تصل به مصاغُ التعاونية وتطريزها إلى مشترين في ويسكونسن أصلاً.
وأوردت الدورية ذاتها أن المجموعة أطلقت في شباط/فبراير 2024 حملة سنوية باسم "من القواعد الشعبية إلى غزة" بهدف جمع 5 آلاف دولار، وكانت قد جمعت أكثر من نصفها قبل الإطلاق. وقالت بارب أولسون، إحدى مؤسسات المشروع، إن الشرط قاطع: "مئة في المئة من العائدات ستذهب فوراً إلى تحالف أطفال الشرق الأوسط لتوفير الغذاء والمأوى والماء واللوازم الطبية العاجلة".
أما كاساندرا ديكسون، النجّارة من ماديسون التي أسّست "شركاء فلسطين" وتدير المتجر الإلكتروني الذي يحمل منتجات التعاونية، فهي من أثبت أصوات المجموعة.
ما تسجّله الوخزات#
يقرأ نصّ المعرض الحرفةَ أرشيفاً. فمكتبة التطريز في القرون السابقة مليئة برسوم سُمّيت بالسرو والنجمة، وبعد نكبة 1948 — تقول الصالة — نبتت في الكتالوغ رسوم تُسمّى "القصف" و"الصاروخ". وخلاصتها لذلك التحول صريحة: "صارت الوخزة مقاومةً في وجه محتلٍّ سعى إلى محو الثقافة الفلسطينية".
والمؤسسات خارج فلسطين تقول اليوم شيئاً قريباً بلغتها. ففي 15 كانون الأول/ديسمبر 2021، في الدورة السادسة عشرة للجنتها الحكومية الدولية، أدرجت اليونسكو فنّ التطريز في فلسطين — ممارساته ومهاراته ومعارفه وطقوسه — على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، وهو ملفٌّ عملت عليه وزارة الثقافة الفلسطينية، بقيادة عاطف أبو سيف حينها، أكثر من عامين.
لا يدفع هذا الاعتراف كلّه أجرَ امرأة في إذنا عن سهرة عمل. السوق هو الذي يدفع. والإنجاز المتواضع لمن علّقوا هذا المعرض أنهم بنوا الشقّين معاً: جداراً يُقرأ فيه التطريز الفلسطيني فناً وتاريخاً، وصندوقاً يتقاضى منه أحدٌ ما أجره فعلاً.
الدخول إلى المعرض مجاني، وأبوابه مفتوحة من الثلاثاء إلى الجمعة وبعد ظهر السبت حتى 29 آب/أغسطس.


