قصص إنسانية
بنى خليل الشقاقي أطول سجل لما يفكر فيه الفلسطينيون فعلاً
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
منذ ثلاثة وثلاثين عاماً يرسل عالم سياسة في رام الله باحثين ميدانيين إلى أبواب الفلسطينيين، انطلاقاً من فكرة عنيدة: لا سبيل إلى معرفة ما يفكر فيه شعب إلا بسؤال عيّنة مسحوبة سحباً سليماً منه، ونشر الجواب أياً كان من يُحرجه.
يدير خليل الشقاقي المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، والأرشيف الذي بناه هو أطول سجل متصل للرأي العام الفلسطيني. وتُحصي صفحات المركز العربية أكثر من مئتي استطلاع في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعشرات أخرى مشتركة مع إسرائيليين.
وُلد في رفح في أيلول/سبتمبر 1953 لعائلة هُجّرت عام 1948 من زرنوقة، القرية التي زرع فيها آل الشقاقي القمح والمشمش والبرتقال أجيالاً. كان جدّه إمام القرية، وكان أبوه يرفع الأذان.
بدأ دراسته الجامعية في بيرزيت عام 1971، ونال شهاداته من الجامعة الأميركية في بيروت، وأنهى الدكتوراه في جامعة كولومبيا منتصف الثمانينيات. درّس فيها، ثم في الكويت والبحرين، ثم عاد إلى نابلس وجامعة النجاح حيث تولّى عمادة البحث العلمي.
وفي عام 1992 شرع في تدريب باحثين ميدانيين. ونزل أول استطلاع إلى الميدان عام 1993، من مركز أسّسه في نابلس. ولما استقرت السلطة الفلسطينية في رام الله نقل المركز إليها ليكون أقرب إلى صنّاع القرار، فحمل اسمه الحالي.
الرقم الذي جرّ على مكتبه التخريب#
في تموز/يوليو 2003 نشر استطلاعاً للاجئين سأل فيه ما لم يسأله أحد تقريباً بهذا الوضوح: لا عن حقهم في العودة، بل عمّا سيختارونه فعلاً لو وضعت أمامهم تسويةٌ خيارات.
تمسّكت الغالبية الساحقة بالحق. وقال نحو واحد من كل عشرة إنه سينتقل إلى إسرائيل ويحمل جنسيتها. أما البقية فاختاروا التعويض أو الدولة الفلسطينية أو مكاناً آخر.
وقُرئت النتيجة فوراً وعلى نطاق واسع بوصفها تخلّياً فلسطينياً عن العودة. فخرّب عشرات الأشخاص مكتب المركز في رام الله وساروا نحو مقر ياسر عرفات على بعد شوارع قليلة. وقال الشقاقي إن المتظاهرين كانوا يبعثون رسالة بأن العودة ليست موضع تفاوض.
وأمضى الأشهر التالية يصرّ على تمييز طوته التغطية: الحق شيء وممارسة الحق شيء آخر، واللاجئ الذي يقول إنه لن ينتقل شخصياً لم يتنازل عن شيء. وضغط عليه ناقدون بشأن صياغة الخيارات وبشأن ما استُنتج منها، فدافع عن أداته علناً.
الحق شيء وممارسة الحق شيء آخر.
التمييز الذي دار حوله استطلاع اللاجئين عام 2003
استطلاع حرب من داخلها#
أبعد استطلاعاته صيتاً هي التي جرت بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023، وهي أصعب ما أجرى.
يبلغ كل استطلاع فصلي ما بين 1200 و1580 بالغاً، تُجرى معهم مقابلات وجهاً لوجه لا عبر الهاتف: في سبعين أو ثمانين موقعاً سكنياً في الضفة، وفي غزة في خمسة وسبعين موقعاً أحياناً.
وفي غزة كانت تلك المواقع قد زالت في معظمها. فعمل الباحثون في ما يسميه المركز مناطق العدّ: أحياء ما قبل الحرب، المدمّرة في غالبها، حيث وُجد الناس في بيوت متضررة أو في خيام نُصبت بين الركام. وحيث تعذّر الوصول إلى مناطق بأكملها، ومنها رفح ومعظم الشمال، أُجريت المقابلات في مراكز الإيواء.
ولم يكن أحد يعرف كم شخصاً يقيم أين. فكان جواب المركز أن يضاعف عيّنة غزة تقريباً ليكبح هامش الخطأ، ثم يعيد ترجيح الاستطلاع كله بحيث تدخل كل منطقة في المجموع بحجمها النسبي الحقيقي. ويتراوح هامش الخطأ المنشور بين ثلاثة وثلاثة ونصف بالمئة.
ماذا قالت غزة، وماذا قالت الضفة#
أثقل ما التقطته الأرقام هو تباين لم تتوقعه تعليقات الخارج تقريباً.
فحين سُئل الناس إن كان هجوم السابع من أكتوبر قراراً صائباً، بلغ التأييد في المنطقتين 71 بالمئة في آذار/مارس 2024 ثم تراجع باطّراد: 67 في حزيران، و54 في أيلول، و50 في أيار/مايو 2025، و53 في تشرين الأول.
وتحت هذا المعدل كان ثمة انقسام. ففي استطلاع تشرين الأول 2025 رأى 44 بالمئة في غزة أن الهجوم كان القرار الصائب، مقابل 59 بالمئة في الضفة. وقبل ذلك بعام توقّع 28 بالمئة من الغزيين انتصار حماس في الحرب، مقابل 65 بالمئة في الضفة.
من يعيشون الحرب حكموا عليها حكماً غير حكم من يشاهدونها، ولا يظهر ذلك إلا في استطلاع يُجرى داخل المكانين معاً. وفي المدة نفسها سجّلت استطلاعاته ارتفاعاً في تأييد حل الدولتين وتراجعاً في تفضيل الكفاح المسلح على التفاوض.
أن تسأل الجمهورين السؤال نفسه#
منذ عام 2016 يدير «نبض الرأي العام الفلسطيني-الإسرائيلي»، فيطرح أسئلة متطابقة على الجمهورين في اللحظة نفسها، بالشراكة مع برنامج إيفنس للوساطة وإدارة النزاعات في جامعة تل أبيب، والباحثة داليا شايندلين، وقبلهما تمار هيرمان من مركز غوطمان في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية.
ووجدت جولة أيلول/سبتمبر 2024 تأييد حل الدولتين عند 40 بالمئة بين الفلسطينيين و72 بالمئة بين فلسطينيي الداخل، مقابل 21 بالمئة بين اليهود الإسرائيليين، وهي أدنى قراءة إسرائيلية يهودية منذ انطلاق «النبض».
الحجة التي يقيمها الأرشيف#
يعمل الشقاقي زميلاً رئيسياً في مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط بجامعة براندايس منذ عام 2005، وشارك في تأسيس «البارومتر العربي» الذي حمل المنهج نفسه إلى العالم العربي.
والخيط الجامع في هذه المسيرة أضيق من أي نتيجة منفردة، وأشقّ منها. ففي صراع يتحدث فيه كثيرون باسم الفلسطينيين، أمضى ثلاثة وثلاثين عاماً يرتّب للفلسطينيين أن يجيبوا عن أنفسهم بأنفسهم: بالأرقام، وعلى الملأ، ومنشوراً سواء أعجب الجواب أحداً أم لم يعجبه.

.jpg?width=640)