قصص إنسانية
أظهر سليم أبو ربيعة أن اللغة الثانية تُعلّم الأولى
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
أمضى سليم أبو ربيعة ثلاثة عقود على سؤال يبدو بسيطاً وليس كذلك: ماذا يجري في رأس الطفل حين تكون اللغة التي يقرأها غير اللغة التي يتكلمها؟
هو أستاذ التربية في جامعة حيفا، يدرّس فيها منذ عام 1994، وقد سافرت أجوبته أبعد مما تسافر عادةً أبحاث القرائية العربية. وأدرج ملفه على «غوغل سكولر» أكثر من 6300 استشهاد بأعماله عند كتابة هذا التقرير.
أما الاكتشاف الذي عُرف به أكثر من غيره فقلب أمراً كانت أنظمة التعليم تعدّه بديهياً.
النقل الذي يسير إلى الوراء#
افترض تعليم اللغات طويلاً أن اللغة الأم تغذّي الأجنبية: من يقرأ العربية جيداً يقرأ الإنجليزية أفضل. وأثبت عمل أبو ربيعة أن السير يجري في الاتجاه المعاكس أيضاً.
سمّاه «النقل الفكري التراجعي». وعرض حجّته مع وائل شقور والباحثة الكندية ليندا سيغل في «مجلة البحوث ثنائية اللغة» عام 2013، بالعمل على قرّاء ثنائيي اللغة بالعربية والإنجليزية: علّم قارئاً متعثراً الإنجليزية، فتعود المكاسب وتظهر في عربيته.
ووسّع مع شقور الفكرة في العام التالي إلى متعلمين ثلاثيي اللغة بالعربية والعبرية والإنجليزية في «المجلة المفتوحة للألسنية الحديثة»، فاختبرا المعرفة الإملائية والوعي الصوتي والصرفي والنحوي ودقة القراءة والاستيعاب في اللغات الثلاث.
وفي عام 2022، مع ليئات فيدر في «مجلة صعوبات التعلم»، وجد الأثر نفسه يسري من الإنجليزية لغةً أجنبية إلى العبرية لغةً أمّاً. ومنذ ذلك الحين اختبر باحثون في المغرب الفرضية على قرّاء جامعيين عندهم.
علّم قارئاً متعثراً الإنجليزية، فتتحسن عربيته هي أيضاً.
خلاصة نظرية النقل الفكري التراجعي
وللطفل المتعثر في العربية نتيجة عملية غير مألوفة وباعثة على الأمل: قد يأتيه العون من حصة غير الحصة التي تظهر فيها المشكلة.
لغة ثانية يلقاها الطفل داخل لسانه#
تطلب العربية من أبنائها ما لا تطلبه الإنجليزية من أبنائها. فالعربية التي يتكلمها الطفل في البيت وتلك التي تنتظره في الكتاب أول يوم مدرسة ليستا لغة واحدة.
وقاس أبو ربيعة كلفة هذه المسافة. ففي «مجلة القراءة والكتابة» عام 2000 ذكر أن التعرّض للعربية الفصيحة يحسّن استيعاب المقروء في وضع ازدواج لغوي، وهي حجة لوضع الصيغة المكتوبة أمام الأطفال قبل أن تعمل الأبجدية عملها بوقت طويل.
ومضت أبحاث لاحقة بالمنطق نفسه إلى أبعد. فالأثر يتبع المسافة المعجمية بين الصيغتين المحكية والمعيارية: الكلمات المتطابقة في الاثنتين تُقرأ بدقة أعلى وسرعة أكبر من كلمات لا تعيش إلا في المعيارية، والفجوة تصمد عبر الصفوف.
ولإعادة التأطير هذه أثر يتجاوز الصف. فالطفل الناطق بالعربية الذي يقرأ ببطء ليس بالضرورة قارئاً ضعيفاً، وقد مال الحقل منذ ذلك الحين إلى التعامل مع الازدواج اللغوي بوصفه حالة لغوية يُدرَّس حولها لا عجزاً يُشخَّص.
ما الذي تفعله الحركات هناك#
تكتب العربية حركاتها القصيرة علامات اختيارية وتنتظر من القارئ أن يستغني عنها. وسأل أبو ربيعة عمّا هي له.
فبحثه المنشور عام 2001 في «مجلة القراءة والكتابة»، اعتماداً على العربية والعبرية معاً، حدّد دور الحركات في قراءة الخطوط السامية. وأتبعه في «مجلة أبحاث القراءة» بعمل عن القراءة في لغة قائمة على الجذر عام 2002، وعن البنى الصرفية في التعرّف البصري إلى الكلمة عام 2004.
والخيط الجامع رفضٌ لمعاملة العربية بوصفها إنجليزية بحروف أخرى. فخطٌّ مبني على الجذور والأوزان، تظهر حركاته وتختفي، يحتاج علم قراءة خاصاً به — وكثير من هذا العلم يستشهد اليوم به.
الدافعية، مقيسةً حيث السياسة صعبة#
يصطدم عمله في اللغة الثانية بالشروط الاجتماعية المحيطة به، وقد قاسها بدل أن يفترضها.
ففي «المجلة الدولية للألسنية التطبيقية» عام 1996 قارن بين طلاب الصف الثامن في ثلاثة سياقات: طلاب عرب في إسرائيل يتعلمون العبرية، وطلاب يهود في إسرائيل يتعلمون الإنجليزية، وطلاب عرب في كندا يتعلمون الإنجليزية. وكانت الدافعية نفعية لا اندماجية في السياقات الثلاثة، وكانت الدافعية النفعية أقوى منبئ منفرد باستيعاب المقروء.
كذلك فهم الطلاب قصص ثقافتهم هم فهماً أفضل، أياً كانت لغة القصة. وكانت خلاصته منهاجية: تُدرَّس العبرية لأطفال العرب عبر مواد مستمدة من الثقافة العربية.
ثم بنى الحجة نموذجاً. فكتب في «مجلة العرق والإثنية والتعليم» عام 1999 مقترحاً نموذجاً لتعلّم اللغة الثانية في ما سمّاه السياقات الاجتماعية الإشكالية: بيئات يقل فيها التماس بين الجماعتين وتختل فيها موازين القوة بينهما، فلا تصف نماذج الدافعية المعيارية ما يجري في الصف فعلاً.
صعوبة القراءة، باللغة الصحيحة#
الطرف التطبيقي من العمل هو التشخيص. فالطفل الذي يتعثر في العربية يُفحص عادةً بأدوات صُمّمت للإنجليزية.
ونشر أبو ربيعة عن التعرّف إلى الكلمة لدى قرّاء يعانون صعوبات قرائية وآخرين أسوياء في العربية، وعاد إلى المسألة عام 2024 في مجلة «ديسلكسيا»، فقيّم فرضية العجز المتعدد لدى أطفال ناطقين بالعربية يعانون عسر القراءة.
وما زال في الميدان. ففي عام 2025، مع ليلى حداد-نجار في «المجلة الدولية لثنائية اللغة»، عرض دراسة تدخّل تتبّعت الصوت والصرف والنحو والإملاء من العربية إلى الإنجليزية لدى طلاب الصف التاسع — سؤال النقل نفسه، لكن بصيغة تُسلَّم إلى معلم.
وبعد ثلاثة عقود، يبلغ هذا العمل حجةً مصنوعة بالقياس: قراءة الأطفال الناطقين بالعربية تستحق تفسيراً بشروطها هي، ولغةٌ ما زال الطفل يتعلمها قد تعلّمه بهدوء اللغة التي يملكها أصلاً.
.jpg?width=640)
