الثقافة والفنون
في ذكراه الثامنة عشرة.. فلسطين تستعيد محمود درويش شاعرها الوطني

حقوق الصورة: Artwork: supplied by the publisher, Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
ثمانية عشر عاماً مضت منذ التاسع من أغسطس/آب 2008، يوم توقف قلب محمود درويش في مستشفى بمدينة هيوستن الأمريكية بعد جراحة قلب مفتوح، واكتشفت فلسطين معنى أن تشيّع شاعرها الوطني. يومها أقامت له رام الله جنازة لم تعرف مثلها إلا لياسر عرفات، وأسكنته تلّةً إلى جوار قصر الثقافة، حيث يقوم متحفه اليوم.
وبعد ثمانية عشر عاماً، تجد الذكرى قصيدته تفعل ما فعلته دائماً: تنوب عن وطن ما زال ممنوعاً من الوجود على أرضه، وتواسي الذين يحملونه.
على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة
محمود درويش
طفل البروة#
وُلد درويش في الثالث عشر من مارس/آذار 1941 في البروة، قرية زيتون وقمح في الجليل شرقي عكا. وكان في السابعة حين محتها النكبة: لجأت العائلة إلى لبنان عام 1948، وتسللت عائدةً بعد عام لتجد القرية زالت وأهلها تبدّدوا، ولتُقيَّد أسماؤهم في سجلات الدولة الجديدة «حاضرين غائبين».
مبكراً صار الجرح قصيدةً. ففي الثانية والعشرين، ضمن ديوان «أوراق الزيتون» عام 1964، كتب «بطاقة هوية» — سجِّل! أنا عربي — فعرف شعبٌ كامل صوته فيها. ودفع الشاعر الثمن: سجنته السلطات الإسرائيلية مراراً خلال الستينيات وفرضت عليه الإقامة الجبرية في حيفا، قبل أن يغادر عام 1970 إلى منفى امتد ستة وعشرين عاماً.
المنفى خريطةً#
يُقرأ مسار منفاه أطلساً فلسطينياً للقرن: القاهرة، فبيروت حيث رأس تحرير مجلة «الكرمل» وعاش حصار 1982، فتونس وباريس. وهو من كتب وثيقة إعلان الاستقلال التي تلاها عرفات في الجزائر عام 1988، ثم استقال من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عام 1993 اعتراضاً على اتفاق أوسلو.
وفي عام 1996 عاد، فقسم سنواته الأخيرة بين رام الله وعمّان. وفي كتب المرحلة الأخيرة — «جدارية» التي كتبها بعد نجاته من جراحة القلب عام 1998، و«حالة حصار» التي كتبها في رام الله المحاصرة عام 2002 — حوّل موتَه الشخصي وحصارَ مدينته إلى بعضٍ من أكثر الشعر العربي الحديث قراءةً.
القصائد التي صارت وطناً#
حتى رحيله، أصدر درويش ما يزيد على عشرين ديواناً، وتُرجم إلى أكثر من عشرين لغة، وحصد أوسمة القارات: جائزة لانان للحرية الثقافية عام 2001، وجائزة الأمير كلاوس الهولندية عام 2004، ووسام الفنون والآداب الفرنسي. وحملت ألحان مارسيل خليفة — «ريتا والبندقية» و«أحنّ إلى خبز أمي» — قصائده إلى مستمعين لم يفتحوا ديوان شعر في حياتهم.
أما الوسام الأعمق فأصعب قياساً: ثلاثة أجيال من الفلسطينيين تعلمت شكل حكايتها في سطوره، وما زال المفجوعون من غزة إلى الشتات يمدّون أيديهم إلى قصائده أولاً كلما صارت الأخبار فوق الاحتمال.
بعد ثمانية عشر عاماً#
تحلّ الذكرى هذا العام في زمن الحرب، وعلى صورتها جاءت إحياءاتها. فقد أوردت «العربي الجديد» أن فعاليات مقررة أُجّلت، وبقي استثناء وحيد معاند على خشبة في حيفا: «العاشق»، عرض مسرحي موسيقي على مسرح «سرد» يمشي بسيرة الشاعر عبر محطاتها — البروة، فحيفا الستينيات وقصائد ريتا، فبيروت، فباريس، وصولاً إلى رام الله، مختتماً بـ«لاعب النرد» و«فكّر بغيرك».
ويواصل متحفه حراسة الجذوة على تلة رام الله حيث يرقد، فيما تعود قريته إلى صفحات الثقافة مرة بعد مرة — هذا الأسبوع في حكاية منى ميعاري، المغنية ابنة البروة التي تحمل ذاكرتها اليوم إلى مسارح العالم. بعد ثمانية عشر عاماً على توقف قلبه في تكساس، يبقى شاعر الثورة والوطن ما سمّاه أهله يوم وداعه: الصوت الذي تكلّم فلسطين به نفسها.



%20(cropped).jpg?width=640)