سياسة ودبلوماسية
واشنطن تتجاهل رفض نتنياهو وتقرأه حسابات انتخابية إسرائيلية

حقوق الصورة: Nickolay Mladenov — European People's Party / Wikimedia Commons, CC BY 2.0 · الترخيص
تقرير أصلي
أعلن بنيامين نتنياهو أمام حكومته، الأحد، أن إسرائيل ترفض الوثيقة الأمريكية التي وُضعت لإنهاء الحرب على غزة. أما الرد الأمريكي فجاء بلا صوت عالٍ، ومن دون اسم: لا مشكلة لدينا.
نقل مراسل موقع «أكسيوس» باراك رافيد عن مسؤول أمريكي كبير قوله إن البيت الأبيض غير منزعج من كلام رئيس الوزراء، وإنه يقرأه على أنه موسم انتخابي إسرائيلي. وقال المسؤول: «نحن نتفهّم احتياجات بيبي السياسية، ولا مشكلة لدينا فيها ما دام يواصل فعل ما نطلبه، وخصوصاً في كبح الهجمات على غزة».
في هذه الجملة تختصر السياسة الأمريكية في غزة هذا الأسبوع، وهي جملة تستحق قراءة ثانية في دير البلح وخان يونس. فواشنطن لا تقيس حليفها بما يوقّع عليه، بل بما إذا كانت القنابل ستبقى في مخازنها.
ولم يترك نتنياهو مجالاً للالتباس، إذ قال أمام الحكومة: «أريد أن أوضح هذا الأمر: إسرائيل ترفض وثيقة الخمس عشرة نقطة. سمعت من يقول لي إنك لم تقل ذلك، وها أنا أقوله مجدداً». وأضاف أن الجيش لن ينسحب من أي جزء من غزة قبل نزع سلاح حماس.
ترتيب الخطوات كما تشرحه واشنطن#
في المقابل، أمضى نيكولاي ملادينوف، المدير العام لمجلس السلام الذي ترأسه الولايات المتحدة، عطلة نهاية الأسبوع نفسها في شرح أن الخطة لا تطالب إسرائيل بالتحرك أولاً هي الأخرى.
وقال للقناة الإسرائيلية 12: «لا أحد مطالب بفعل أي شيء، وإسرائيل آخرهم، قبل أن تتحقق لدينا خطوات موثّقة على الأرض». وأضاف أن خارطة الطريق ليست مبنية على الثقة: «السبيل الوحيد أن نتفق جميعاً على أن لا شيء يجري بالثقة».
أما التسلسل الذي عرضه فيسير قطاعاً بقطاع. فمتى نُزع سلاح منطقة وجرى التحقق منه، «تكون إسرائيل ملزمة بالتراجع تدريجياً، خطوة خطوة، على مراحل، وصولاً إلى السياج» الذي يحيط بالقطاع.
وإلى أن يحدث ذلك، يبقى الجيش على «الخط الأصفر»، وهو خط وقف النار الذي رُسم في تشرين الأول/أكتوبر 2025 ويقسم غزة إلى جزء يدخله أهلها وجزء ممنوع عليهم. وقال ملادينوف إن الخطة تترك لإسرائيل حرية الرد على أي تهديد تراه وشيكاً، وإن تفكيك شبكة الأنفاق — وهو عمل قدّره بأكثر من عقد — يمكن أن يمضي أسرع بالتعاون مع المجلس.
غير أن مساحة الأرض الباقية تحت الجيش تختلف بحسب من تسأل داخل الجهة نفسها. فملادينوف قال للقناة 12 إن إسرائيل تسيطر على أكثر من 60% من غزة، فيما قال مسؤولون في مجلس السلام لموقع «واينت» الإسرائيلي، الاثنين، إن الجيش يقف على الخط الأصفر الأصلي عند نحو 53%، ولم يتقدم عنه.
والمسافة بين الرقمين تُقاس عند الفلسطينيين بالأحياء السكنية. أما المدة الفاصلة بين «نزع السلاح الموثّق» وبين السياج، فهي الزمن الذي يُنتظر من مليوني إنسان أن يعيشوه في هذه الأثناء.
انسحاب قرب رفح أقرّه نتنياهو ثم تراجع عنه#
يمكن قياس ثمن الرفض في ملف واحد.
قال مسؤولون أمنيون إسرائيليون إن رئيس الوزراء وافق شخصياً على انسحاب تجريبي من ثلاث مناطق صغيرة قرب رفح جنوباً، وهي خطوة أجازها الجيش وأجازها نتنياهو نفسه وأجازتها الولايات المتحدة، ثم تراجع عنها خلال يوم واحد وأبلغ الحكومة أن شيئاً لن يتحرك قبل أن تسلّم حماس كل سلاحها. وأضاف المسؤولون أن المؤسسة العسكرية علمت بالتراجع من وسائل الإعلام.
ولم يضع الموقف الأمريكي المعلن، الاثنين، أي ثمن على هذا التراجع.
ما لا تعرّفه الوثيقة#
خارطة الطريق التي قبلتها حماس الأسبوع الماضي ورفضها نتنياهو الأحد أرقّ بكثير من الخطاب الدائر حولها.
وفي تحليل نشرته في السابع من آب/أغسطس عبر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وهو مركز أبحاث في العاصمة يُقرأ باهتمام في وزارة الخارجية، وضعت الباحثة نعومي نيومان حساب الوثيقة: نزع سلاح كامل خلال ثلاث سنوات، ومرحلة أولى مدتها ثمانية أشهر تقريباً، وأربعة عشر يوماً لإنجاز النص النهائي متى وافقت إسرائيل، وانتخابات فلسطينية مرتقبة في الخريف.
أما الكلمة الأثقل في الوثيقة فهي الكلمة التي لم يعرّفها أحد. فـ«نزع السلاح» بلا معنى متفق عليه، كما كتبت نيومان: حماس تقرأه تخزيناً منضبطاً للسلاح داخل غزة، وإسرائيل تصرّ على إخراجه من القطاع، والنص لا يحدد أصناف السلاح المشمولة ولا الجهة التي تفتّش.
والمؤسسات المكلفة بحمل الخطة ما زالت هي الأخرى في زمن المستقبل. فلا شرطة فلسطينية قائمة، ولم تتشكل بعد قوة الاستقرار الدولية ولا الذراع الأمنية للجنة التكنوقراط المقرر أن تحكم، وهي «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» التي يرأسها المهندس المولود في غزة علي شعث وتأسست في القاهرة في كانون الثاني/يناير.
وأضافت نيومان أن مركز التنسيق المدني — العسكري الأمريكي، المفترض أن يربط أجزاء الآلة كلها، يكاد يكون مشلولاً منذ اندلاع الحرب مع إيران. وقدّرت أن سيطرة حماس الميدانية تراجعت من نحو 47% من مساحة غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2025 إلى نحو 36%.
قوة الاستقرار تبدأ من رفح#
قوة الاستقرار هي أول ما سيلمسه الفلسطينيون من هذه الخطة. أجازها مجلس الأمن بالقرار 2803 في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 لمدة عامين، ويقودها الجنرال الأمريكي جاسبر جيفرز.
ويقوم التصميم على نحو 20 ألف جندي إلى جانب 12 ألف شرطي فلسطيني مدرَّب، مع مساهمة إندونيسية هي الأكبر ونائب للقائد منها، بعد أن عرض الرئيس برابوو سوبيانتو ما يصل إلى 8 آلاف جندي. وتعهدت المغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا بإرسال أفراد، فيما تتولى مصر والأردن تدريب الشرطة.
وأفادت قنوات إسرائيلية، الأحد، بأن الاستعدادات لنشر القوة داخل أجزاء من غزة قد بدأت. وتضع الخطة قطاع رفح أولاً ثم تتوسع قطاعاً بقطاع، ما يعني أن أول مدينة غزّية ترى زياً عسكرياً أجنبياً ستكون الأقرب إلى مصر، والأبعد شوطاً في تخطيط إعادة الإعمار.
الكونغرس يتلقى إحاطات لا قرارات#
أجرى وفد من مجلس السلام برئاسة المستشار الأول جوش غروينباوم، وبمشاركة الجنرال المتقاعد مارك شوارتز عن بُعد، إحاطات لطواقم الأمن القومي لدى قادة الكونغرس الأربعة — جون ثون وتشاك شومر ومايك جونسون وحكيم جيفريز — في الرابع من آب/أغسطس، وأعلن بعدها عزمه على العمل مع الكونغرس على أساس حزبي مشترك في ملفات السلام والأمن والحكم وإعادة الإعمار في غزة.
لكن الإحاطة ليست تفويضاً. فالمجلس يستمد ولايته من مجلس الأمن، وماله من المانحين، وثقله من الرئيس. أما الأداة التي التقطها الكونغرس الأسبوع الماضي فكانت رسالة وقّعها واحد وعشرون عضواً تطالب الإدارة بإعادة العقوبات التي رفعتها عن مستوطنين في الضفة الغربية.
ملف إيران تحت السطح#
مركز التنسيق الذي وصفته نيومان بالمتوقف متوقف منذ الحرب مع إيران، وذلك الملف بدوره لا يتحرك.
قال الرئيس دونالد ترامب لموقع «أكسيوس»، الأحد، إن واشنطن «تتفاوض نصف تفاوض» مع طهران فقط، وأضاف أنها «تكتفي بمراقبة إيران بتضخمها الهائل وبحقيقة أنها بلا مال».
ورد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الإيرانية «إرنا» نهاية الأسبوع ذاته، بأن الرسائل المتبادلة عبر وسطاء ليست مفاوضات، وأن استئناف المحادثات مستحيل قبل أن توقف الولايات المتحدة ما سماه خروقها لمذكرة حزيران/يونيو وتعوّض عنها.
ويصل هذا الجمود إلى غزة من بابين. فدول الخليج المنتظر أن تموّل الإعمار تجني مالها من نفط يسعّره هدوء ممرّها المائي، ومركز التنسيق الأمريكي المكلف بإدخال المساعدات وفض الاشتباك بين الجيوش داخل القطاع لم يتعافَ من الحرب مع إيران.
هكذا تمضي ساعتان في اتجاهين متعاكسين: خارطة الطريق تمنح نزع السلاح ثلاث سنوات، والانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول/أكتوبر، ورئيس الوزراء المطلوب منه التوقيع يخوضها ضد شركاء سيغادرون ائتلافه إن وقّع.
وبينهما يقف موقف أمريكي لم يقبل صاحبه أن يُنشر باسمه: الأقوال لا تُحسب، والأفعال تُحسب. وفي غزة الفعل الذي يُحسب هو جندي يتراجع عن خط، والخطوة الوحيدة من هذا النوع التي أُقرّت حتى الآن هي التي ألغاها رئيس الوزراء نفسه.
%20(cropped).jpg?width=640)



