قصص إنسانية
أطعم آمد خان أطفال غزة.. وأخرج عائلة هند رجب
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
في مطلع عام 2025، بينما كانت مخرجة تونسية تصوّر فيلمًا عن ابنتها، أرسلت وسام حمادة رسالة من مدينة غزة تطلب المساعدة في تأمين طعام.
كانت ابنتها هند رجب، ذات الخمسة أعوام، قد قُتلت في سيارة في غزة في كانون الثاني/يناير 2024 مع عمّتها وعمّها وأبناء عمومتها، وطاف تسجيل صوتها على الهاتف مع الهلال الأحمر أنحاء العالم. أما الأم فبقيت في المدينة، وبقيت جائعة.
نقلت أوديسا راي، إحدى منتجات الفيلم، الرسالة إلى رجل تعرف أنه يدير عملية إمداد داخل القطاع. وذكرت مجلة «فارايتي» أن فريقه أوصل إلى وسام حمادة كيس طحين خلال أربع ساعات.
الرجل هو آمد خان، ممول من نيويورك ينفق من ماله الخاص على طوارئ الآخرين، وكان حينها يعمل على معابر غزة منذ أكثر من عام.
كيس طحين.. ثم عائلة من ثمانية#
لم يكن الطحين سوى البداية. فقد تولى خان ترتيب ما وصفته «فارايتي» بمهمة بالغة التعقيد والإشراف عليها، لإخراج حمادة وعائلتها المكوّنة من ثمانية أفراد من غزة كلها.
ولم يحدث ذلك سريعًا. فحين عُرض فيلم «صوت هند رجب» لأول مرة في مهرجان فينيسيا ووقفت القاعة تصفّق اثنتين وعشرين دقيقة، كانت العائلة التي يحكي عنها الفيلم لا تزال في مدينة غزة تحاول الخروج.
هم اليوم خارجها. تعيش وسام حمادة وعائلتها في اليونان، في رعاية «إلبيدا هوم»، ملجأ اللاجئين في تسالونيكي الذي أسسه خان قبل عقد لسوريين وعراقيين وأفغان لم يجدوا أين يذهبون.
ويُنسب إلى خان اسمه منتجًا منفذًا للفيلم، الذي نال «الأسد الفضي» في فينيسيا ورُشّح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي ممثلًا لتونس.
أوصل فريقه إليها كيس طحين خلال أربع ساعات
مجلة «فارايتي»، عن أول ما أرسلته مؤسسة آمد خان إلى والدة هند رجب
من أين يأتي المال#
يموّل خان عمله الخيري من جيبه الخاص، عبر «باراديم غلوبال غروب»، شركة الاستثمار الدولية الخاصة التي يقودها.
ولم يصل إلى هذا العمل دفعة واحدة. فقد نال بكالوريوس السياسة الخارجية الأميركية والتاريخ الأميركي من جامعة ويسكونسن-ماديسون، ثم عمل في حملة كلينتون عام 1992 وفريق الانتقال، ومكتب مدير فيلق السلام، وحملة 1996، ولجنة التنصيب عام 1997، وفي العام نفسه مديرًا للعمليات في قمة مجموعة السبع.
جاء المنعطف بعد الإبادة الجماعية في رواندا. التحق خان بـ«لجنة الإنقاذ الدولية» مديرًا إداريًا ولوجستيًا لمخيمات نغارا على الجانب التنزاني من الحدود، وأمضى بحسب روايته نحو ثمانية عشر شهرًا في خيمة بلا ماء جارٍ ولا كهرباء.
وقال لمجلة «سيرفيس 95» في أيار/مايو 2025: «حصلت فعلًا على الكثير من مساعدة الناس. هذا كل ما في الأمر حرفيًا».
ماذا تفعل المؤسسة#
تعلن «مؤسسة آمد خان» طريقتها بوضوح: إيصال المساعدة مباشرة، على الأرض، إلى من يحتاجها، لا عبر الطبقات التي تفصل عادة بين المتبرع والبيت.
وسجلّها قبل غزة هو سبب أخذ هذه الطريقة على محمل الجد. فبعد سقوط كابل عام 2021 نسّق فريق خان إجلاء أكثر من 1500 أفغاني، بينهم نائبات وقاضيات وصحفيات وأشخاص عملوا مع الحكومة الأميركية، ثم أمّن لهم السكن والغذاء والعلاج وإعادة التوطين.
ومنذ الغزو الروسي عام 2022 يعمل في أوكرانيا على إغاثة المدنيين في خطوط التماس، وشبكات الإغاثة الطبية، وإجلاء ناجين من المحرقة. وفي العراق ساعدت المؤسسة على إعادة بناء كنائس وبيوت في قرى مسيحية دمّرها تنظيم الدولة.
أما في غزة فالعمل طعام ودواء وتغذية طارئة للأطفال وإخراج المرضى منهم. وتقول المؤسسة إنها اشترت وأوصلت أغذية علاجية جاهزة للاستخدام لأطفال يعانون سوء التغذية، ومولّت الوصول إلى الرعاية الطبية، ودعمت إجلاء الحالات الحرجة والمصابين.
وحساب خان لنفسه في الأشهر الأولى مسجّل. قال لنشرة «غلوبال ديسباتشز» في شباط/فبراير 2024 إنه دخل سيناء وخرج منها نحو خمس عشرة مرة منذ 10 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وإنه يرسل الطعام والدواء إلى المستشفيات والهلال الأحمر الفلسطيني، وإن إنفاقه بلغ «عدة ملايين من الدولارات بين تبرعات وإمدادات موصَلة».
وحين علّقت واشنطن تمويل «الأونروا» أواخر كانون الثاني/يناير 2024، بدأ يتبرع للوكالة بنفسه. وقال: «كنت أقوم بعملي في غزة كما أفعل عادة حول العالم، لكن الضربة الجائرة والظالمة للأونروا دفعتني إلى التبرع لها».
دواء الرشح في المستودع#
ظهر أوضح سرد علني لما يكلفه هذا العمل من صبر في صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» يوم 5 آذار/مارس 2026، تحت عنوان «بمنع المساعدات، إسرائيل تصعّد قسوتها في غزة».
كتب أن 15 ألف علبة من دواء الرشح للأطفال وأدوية أساسية أخرى بقيت أكثر من خمسة أشهر في مستودع بانتظار موافقة إسرائيلية لا تأتي.
والاعتراض كان على الغليسيرين. فقد خشي مسؤولون إسرائيليون، بحسب ما كتب، أن تُحوَّل كمياته الصغيرة في الزجاجات إلى متفجرات، دون أي دليل على أن جماعات مسلحة في غزة فعلت ذلك أو تستطيعه، ورفضت إسرائيل تحديد النسبة المسموح بها من الغليسيرين، فتعذّر حتى إيجاد بديل.
وامتد المنطق نفسه إلى الخيام. عوارض الخيام المعدنية صارت مادة مشبوهة مزدوجة الاستخدام، وحُجزت شحنات سترات خضراء على افتراض أنها قد تصلح زيًا عسكريًا. ووصف خان القواعد بأنها تعسفية ومفرطة وغامضة على ما يبدو عن قصد، وأن مسار الموافقات أبطأ من أن يلبي ما يحتاجه الناس فعلًا.
وكتب أنه تمكّن من رؤية ذلك كله لقلّة من بقي من العاملين المستقلين في الإغاثة، ومن أسباب ذلك أن إسرائيل علّقت تراخيص 37 منظمة إغاثية، منها «كير» و«أوكسفام» و«أطباء بلا حدود».
يكتب ما يراه#
يتميز خان بين المتبرعين الخاصين بأنه ينشر باسمه، وقد فعل ذلك قبل غزة بسنوات.
ففي آب/أغسطس 2020 كتب في «ريسبونسبل ستيتكرافت»، مع لورا لومبي، أن على الديمقراطيين التعهد بالكفّ عن صناعة اللاجئين. وفي كانون الثاني/يناير 2021 كتب فيها مجددًا أن المصالح الأميركية في الشرق الأوسط لا تمر عبر أبوظبي.
وفي 23 آذار/مارس 2024 نشر له موقع «ذي إنترسبت» مقالًا بعنوان «تنظيم المساعدات لغزة قادني إلى حقيقة قاسية: بايدن موافق على التطهير العرقي». كان قد أقام حفلات تبرعات لجو بايدن عام 2020، وكتب أن محاولته اليومية إدخال الطعام والدواء إلى غزة هي ما أوصله إلى هذا الحكم في الرئيس الذي ساعد على انتخابه.
وفي «ذا نيشن» يوم 16 آب/أغسطس 2024 شرح القطيعة نفسها: «تركت حملة بايدن بسبب غزة. وهكذا تستعيد هاريس ثقتي». ثم جاء مقال «لوس أنجلوس تايمز» في آذار/مارس 2026. وهو عضو مجلس إدارة «معهد كوينسي للحكم الرشيد» و«مشروع المساعدة القانونية الدولية للاجئين».
هذه حججه بصوته هو، وهي محل خلاف في واشنطن. أما غير الخلافي فهو أن صاحبها أمضى المدة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 يشتري الطعام والدواء ويحاول إدخالهما.
الفجوة التي يقيسها باستمرار#
أكثر ما يقدّمه خان بانتظام هو الحساب: المسافة بين ما يعلنه قادة العالم وما يصل إلى طفل.
قال لـ«سيرفيس 95» إن نحو عشرة آلاف طفل في غزة يحتاجون إجلاءً طبيًا فوريًا، وإن أقل من ألف نُقلوا. وحين تعهد العاهل الأردني الملك عبد الله في شباط/فبراير 2025 بإجلاء ألفي طفل مصاب بالسرطان، قال خان إن 65 طفلًا فقط خرجوا فعلًا، وإن فرنسا استقبلت نحو عشرين أو ثلاثين، وإيطاليا ثلاثين أو أربعين. وعلّق: «هذه أرقام مضحكة».
وفي «لوس أنجلوس تايمز» وضع شروط وقف النار في مواجهة تطبيقه: 600 شاحنة مساعدات يوميًا متفق عليها، وإسرائيل تقول نحو 450، والأمم المتحدة تحصي ما يقارب 113، مقابل نحو 500 يوميًا قبل 2023. وكتب أن إسرائيل سمحت بخروج نحو 200 مريض منذ إعادة فتح الحدود المصرية مطلع شباط/فبراير، وأن المرافقين، وغالبًا أمهات الأطفال المرضى، يُمنعون عادة من السفر معهم بذرائع أمنية غير محددة.
ويصرّ على أن الخلل ليس لوجستيًا. فبرنامج الأغذية العالمي واليونيسف و«أنيرا» يعرفون تمامًا كيف يفعلون ذلك، كما قال لـ«سيرفيس 95»، والناقص هو الإرادة السياسية.
ومع ذلك يعود في كل مرة. وحين سُئل عما يبقى عالقًا في ذهنه، وصف طفلًا في خيمة نزح أكثر من خمس عشرة مرة ولم يأكل وجبة كاملة منذ أكثر من عام، رفع إليه عينيه وطلب منه ألا يبكي.
قال الطفل: ستكون الأمور بخير. وبكى خان على أي حال.

.jpg?width=640)
