الشتات الفلسطيني
مطبخ وورشات ومحامون.. فلسطينيو باريس يبنون بيتهم الأول بفرنسا

حقوق الصورة: Rue Ramey, Paris XVIII, 2026 — Chabe01 via Wikimedia Commons (CC BY-SA 4.0) · الترخيص
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
خلف واجهة محلّ قرب ممرّ رامي، في الدائرة الثامنة عشرة من باريس، يشتغل البنّاؤون منذ أيار/مايو على مئة وخمسة وثلاثين متراً مربعاً سيعرفها الشارع باسم عربي واحد: بيتنا.
تحمل المشروع جمعية «فلسطين تجمعنا»، وتطرحه على المتبرّعين منذ مطلع العام. ومجلة «تايم أوت باريس» كتبت في العاشر من أيلول/سبتمبر أنّ الافتتاح في تشرين الثاني/نوفمبر، ووصفت المكان بأنه أول فضاء دائم في فرنسا مخصّص للثقافة والحرفة الفلسطينيتين.
أمّا ما سيدخل البيت فتفصّله الجمعية على موقعها: مقهى ومطعم إلى جانبه بقالة، ومتجر لحرف تأتي من ورش فلسطينية، وقاعة درس تُطوى عند الحاجة، وصالة للفعاليات.
أربع غرف وعقد إيجار واحد. وتتوقّع الجمعية نحو أربعة آلاف زائر سنوياً عبر ثلاثمئة ورشة وأمسية: دبكة وخطّ عربي وطبخ وأدب وسينما وحرف ونقاش.
عشاء قبل أن يوجد البيت#
في الخامس من أيار/مايو استأجرت الجمعية قاعة في شرق باريس وأقامت ما سمّته مذاقاً أول من «بيتنا» خارج جدرانه.
طبخت هناك الطاهية الفلسطينية ربى خوري، صاحبة بار ومطبخ «ديرتي ليمون» في باريس، والفائزة هذا العام بلقب الموسم التاسع من «توب شيف» في العالم العربي، وهو ما نقلته مجلة «لها» البيروتية وصحيفة «النهار». خوري تمرّر النكهة الفلسطينية عبر تقنية تدرّبت عليها بين نيويورك وباريس، وشاركتها المطبخ طاهية فلسطينية أخرى.
وضع برنامج الأمسية المنشور المغنية كاميليا جوردانا في مقعد المضيفة، وممثلة فرنسية على المنصة، وأعلن ثلاثة ضيوف: مطربة فرنسية من أصول عربية، وآني إرنو الحائزة جائزة نوبل للآداب، ونور العاصي.
والعاصي هي الشاعرة والصحفية التي كتبت من غزة طوال الحرب وغادرتها في تموز/يوليو 2025. ونقلت صحيفة «الشرق الأوسط» هذا الصيف أنّ جمعية القلم الفرنسية فتحت حملة لتمويل دراستها العليا في باريس بعد قبولها في معهد باريسي للدراسات العليا في العلوم الاجتماعية.
قائمة ضيوف غير مألوفة لقاعة لم تُفتح بعد. وهذه هي الفكرة: الجمعية تدفع ثمن البيت بأن تضع العمل الفلسطيني على خشبة وتبيع المقعد.
النصف الآخر من الجمعية يردّ على الهاتف#
تأسست «فلسطين تجمعنا» عام 2014، على يد فلسطينيي فرنسا ولهم، وأمضت معظم عقدها الأول في الثقافة: سلسلة «فلسطينيات»، وورش للفتيان، ويد مؤسِّسة في شبكة «فنانون ضد الأبارتهايد».
ثم بدأت عائلات تصل من غزة أواخر 2023، فبنت الجمعية جسماً ثانياً يستقبلها. اسمه «اللجنة الوطنية لاستقبال ودعم الناجين من الإبادة في فلسطين»، والتسمية تسمية الجمعية نفسها.
هدفها المعلن أن تحمل أكثر من خمسمئة ناجٍ عبر النظام الفرنسي: إيواء طارئ، وطعام وكساء، ومقاعد دراسية للأطفال والمراهقين، ومتابعة اجتماعية وقانونية لا تتوقّف عند أول رفض.
يدير متطوّعون خطّاً هاتفياً، يتلقّون الطلبات ويوصلون المتصلين بمحامين وبالخدمات الاجتماعية. ورزان نضال، عضو الجمعية المسؤولة عن اللجنة، شرحت هذا العمل لـ«وكالة ميديا فلسطين».
وقد تحرّكت الأرض القانونية تحت الملف كلّه مرّة واحدة، وقبل وقت قريب: قضت المحكمة الوطنية الفرنسية لحق اللجوء في تموز/يوليو 2024 بأنّ الفلسطينيين من غزة يتعرّضون للاضطهاد بسبب جنسيّتهم، وبأنهم لاجئون بمفهوم اتفاقية جنيف — خلافاً لممارسة سابقة كانت تعاملهم كمدنيين علقوا في حرب لا كمستهدفين بأعيانهم. «وكالة ميديا فلسطين» تتبّعت هذا المسار.
أما القناة الرسمية فتُفتح وتُغلق. في الأول من آب/أغسطس 2025 جمّدت الخارجية الفرنسية إجلاء الغزيين ريثما ينتهي تحقيق داخلي في ظروف استقبال طالبة فلسطينية واحدة، حسب ما أوردته «إنفو ميغرانتس» حينها نقلاً عن الوزير الذي قال إنّ أي عملية من هذا النوع لن تجري قبل استخلاص نتائج القضية.
في هذه الفجوة يجلس خطّ هاتف يديره متطوّعون. تصل العائلة بتأشيرة لمّ شمل ومعها ملف لا أحد يقرأه، فتقرأه اللجنة.
أكثر من خمسمئة ناجٍ من الإبادة في غزة: إيواء طارئ وطعام ومقاعد دراسية ومتابعة قانونية.
الهدف المعلن للجنة، كما نشرته جمعية «فلسطين تجمعنا»
لماذا عقد إيجار لا مساحة عابرة#
عرفت باريس عناوين فلسطينية من قبل وفقدتها. «أرضي»، مطعم ومتجر حرف افتتحته عام 2020 فرنسية فلسطينية تُدعى رانيا قرب بورت دو لا شابيل، باع أواني مائدة وكوفيات آتية مباشرة من ورش فلسطينية، وطبخ الوصفات التي كبرت عليها صاحبته. ودليل «سورتير آ باري»، الذي كان قد سمّاه العنوان الوحيد في المدينة لاكتشاف الحرفة الفلسطينية، سجّله مغلقاً عام 2023.
ما يختلف عند ممرّ رامي هو البنية خلف الباب. جمعية عمرها اثنا عشر عاماً هي صاحبة العقد، وأعضاؤها من غزة والضفة والقدس وأراضي 48 والمخيمات والشتات، وهي تصف فريقها بأنه فلسطينيون وحلفاؤهم معاً.
والبرنامج محجوز مع شركاء لا مرتجَل: مهرجان «سيني فلسطين»، ومهرجان «مهرجان» الثقافي، وشبكة «فنانون ضد الأبارتهايد» التي ساعدت في تأسيسها. وحين أقام مغنّي الراب مدين يانصيباً تضامنياً مع تلك الشبكة، وتبرّع بعمل موقّع مستوحى من غلاف ألبومه، ذهبت الحصيلة إلى اللجنة، حسب مجلة «تسوغي» الموسيقية.
ما بقي على المال أن يشتريه#
بدأت الأشغال في أيار/مايو، ولم يأتِ التجهيز معها. للجمعية حملة تمويل جماعي على منصة «هلو أسو» بخمسة وسبعين ألف يورو لسدّ الفارق.
اللائحة منزلية ودقيقة: إنهاء المطبخ والمنضدة، وشراء الأثاث، وتعبئة رفوف البقالة، ووضع الكتب الأولى والعتاد الثقافي، ودفع ثمن المواد التي ستستهلكها الورش. عقد موقّع وأشغال جارية ومطبخ غير مكتمل — هذا هو الموقف الصادق في نهاية أيلول/سبتمبر.
داليا، التي تتحدّث باسم الجمعية، طرحت السؤال الأصعب على موقع «بيساي» الفرنسي الصيف الماضي: كيف تورِّث ثقافةً في المنفى، وقد تكون هي نفسها وصلتك عن بُعد؟
غرفة لها جدول زمني جوابٌ واحد على هذا السؤال. ثلاثمئة ورشة في السنة برنامجٌ لتعليم خطوة دبكة وشكل حرف وطبخ مقلوبة الجدّة لأناس لم يقفوا يوماً على الأرض التي جاء منها كل ذلك.
وإن صمد الجدول، فسيكون في شارع من الدائرة الثامنة عشرة مطبخ فلسطيني وقاعة درس ورقم هاتف محامٍ خلف الباب نفسه قبل نهاية العام.
