الضفة والقدس
«يش دين»: الشرطة الإسرائيلية تغلق 94% من ملفات عنف المستوطنين
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
من كل مئة تحقيق شرطي في جرائم ارتكبها إسرائيليون بدوافع أيديولوجية بحق فلسطينيين في الضفة الغربية منذ عام 2005، يُغلق نحو 94 ملفاً دون توجيه اتهام لأحد، ولا تنتهي بالإدانة سوى ثلاثة، وفق منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية «يش دين» التي تتابع هذه الملفات منذ عقدين.
وتضع آخر ورقة معطيات أصدرتها المنظمة، وتغطي الأعوام من 2005 إلى 2025، نسبة الملفات المغلقة دون لائحة اتهام عند 93.6%، وتخلص إلى أنّ الشرطة أخفقت في التحقيق في 82% من القضايا، إذ أُغلقت لأسباب تشير إلى أنّ أفراد الشرطة لم يحددوا مشتبهاً به ولم يجمعوا أدلة.
ولم تتغير هذه النسبة تقريباً طوال عقد كامل. فقد سجّلت «يش دين» نسبة لوائح اتهام بلغت 8.5% في تموز/يوليو 2013، و7.4% في تشرين الثاني/نوفمبر 2014، و7.3% في تشرين الأول/أكتوبر 2015. وفي إحصائها للفترة بين 2005 و2024، أفضى 1701 ملف خاضع للمتابعة إلى 109 لوائح اتهام و53 إدانة كاملة أو جزئية.
غير أنّ الملاحقة القضائية ليست نهاية المسار. ففي ورقة المعطيات الصادرة في كانون الأول/ديسمبر 2023، ومن أصل 93 لائحة اتهام معروفة النتائج، انتهت 50 منها بإدانة كاملة أو جزئية، فيما لم تفضِ 43 إلى شيء، إما لأنّ المحكمة وجدت المتهم مذنباً لكنها امتنعت عن تسجيل الإدانة، وإما لأنّ لائحة الاتهام أُلغيت أو سُحبت.
وسلسلة «يش دين» ليست إحصاءً شاملاً؛ فهي تغطي فقط الملفات التي تتابعها المنظمة نيابة عن مشتكين فلسطينيين، ولا تشمل القدس الشرقية. أما الفلسطينيون الذين لا يقدمون شكاوى أصلاً، أو الذين لا تُفتح شكاواهم كملفات، فلا يظهرون فيها إطلاقاً.
في المقابل، يتسع المقام بسرعة. فبيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» التي جمعتها الجزيرة تسجّل 1291 اعتداءً للمستوطنين أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات عام 2023، و1449 عام 2024، و1835 عام 2025، و761 خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026، أي نحو 190 اعتداءً شهرياً، بارتفاع نسبته 24% عن المعدل الشهري للعام الماضي.
وكان تشرين الأول/أكتوبر 2025 أسوأ شهر يوثقه «أوتشا» منذ بدء الإحصاء عام 2006، بأكثر من 260 اعتداءً، بمعدل ثمانية يومياً.
وفي 11 حزيران/يونيو، أفاد «أوتشا» بأنّ الاعتداءات هذا العام تجاوزت ألف اعتداء، طالت أكثر من 230 تجمعاً سكانياً. وقال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في 29 تموز/يوليو إنّ 76 فلسطينياً وإسرائيلياً واحداً قُتلوا في اعتداءات المستوطنين خلال 2026 حتى 24 تموز/يوليو، وإنّ المستوطنين وقوات الأمن الإسرائيلية تحركوا «في كثير من الأحيان» معاً ضد التجمعات الفلسطينية.
هذا التداخل بات موثقاً في بيانات إنفاذ القانون نفسها. فقد أحصت «يش دين» قرابة 30 حادثة عنف جماعي منظم في الضفة الغربية بين عامي 2023 وتشرين الثاني/نوفمبر 2025، ورد في 16 منها أنّ جنوداً أو أفراد شرطة كانوا حاضرين أثناء الاعتداء وساعدوا فيه بشكل مباشر أو غير مباشر.
أما منظمة «بتسيلم»، التي تضع لسجلها المتواصل عنوان «عنف المستوطنين = عنف الدولة»، فوثّقت إقدام مستوطن يرتدي زياً عسكرياً على قتل شقيقين فلسطينيين بالرصاص خلال اعتداء على قرية قريوت قرب نابلس. وفي أم الخير بمسافر يطا جنوبي الخليل، أفادت المنظمة بأنّ مستوطناً أطلق النار فقتل الناشط عودة الهذالين، ثم اعتقل الجنود أقارب الضحية بناءً على تعليماته.
وتتكرر بؤر استيطانية بعينها في السجلات. فـ«بتسيلم» تنسب اعتداءات متواصلة على قصرة وتلفيت وجالود إلى بؤرة استيطانية جديدة أُقيمت بين القرى الثلاث في محافظة نابلس. وأدرجت عقوبات الاتحاد الأوروبي في تموز/يوليو 2024 اسم مؤسس بؤرة «مزرعة ماني» غير المرخصة جنوبي الخليل.
وفرضت بريطانيا عقوبات في تشرين الأول/أكتوبر 2024 على بؤرة في غور الأردن تُعرف باسم «مزرعة موشيه»، ثم أدرجت في أيار/مايو 2025 اسم مستوطن قالت وزارة الخارجية البريطانية إنّ لائحة اتهام قُدّمت ضده في أيلول/سبتمبر الذي سبقه على خلفية اعتداءات في المعرجات الشرقية، إلى جانب بؤرة زراعية أنشأها قرب «مفوؤت يريحو».
ووصلت قائمة «بتسيلم» المتواصلة للتجمعات والعائلات المعزولة في الضفة الغربية التي تعدّها مهجّرة عرقياً إلى 62 حتى 22 نيسان/أبريل 2026. أما جمعية حقوق المواطن في إسرائيل فقدّرت عدد التجمعات المهجّرة قسراً في المنطقة (ج) بفعل مضايقات المستوطنين وعنفهم بما لا يقل عن 19 تجمعاً.
وتحركت العقوبات الأجنبية في الاتجاهين. فقد ذكر موقع «ميدل إيست مونيتور» أنّ الإجراءات الأميركية التي فُرضت بأمر تنفيذي في شباط/فبراير 2024 شملت 17 مستوطناً و16 كياناً، قبل أن يلغي الرئيس دونالد ترامب الأمر في 20 كانون الثاني/يناير 2025، أول أيامه في المنصب، بعد ساعات من هجوم للمستوطنين على بلدة فندق. ورحّب الوزيران الإسرائيليان بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير علناً بالقرار.
وأصدر الاتحاد الأوروبي منذ ذلك الحين ثلاث حزم. فأدرج المجلس الأوروبي خمسة أفراد وثلاثة كيانات في تموز/يوليو 2024، ثم أدرج في 28 أيار/مايو 2026 أربعة كيانات وثلاثة أفراد، بينهم حركة «نحالا» الاستيطانية. وأفادت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» بأنّ حزمة أيار/مايو استهدفت جماعات تدفع نحو ضم فعلي أكثر مما استهدفت أشخاصاً متهمين باعتداءات، وأنّ مديراً تنفيذياً أعادت بروكسل إدراجه كان قد رُفع من القائمة الأميركية في عهد ترامب.
واستندت بريطانيا إلى «إخفاق إسرائيل في التحرك» حين فرضت في أيار/مايو 2025 عقوبات على بؤرتين استيطانيتين وثلاثة مستوطنين. ومنعت فرنسا في 9 حزيران/يونيو 2026 سموتريتش وأربعة من قادة منظمات استيطانية و21 مستوطناً من دخول أراضيها، فيما اتهمت إسرائيل الحكومات المعنية بتغذية معاداة السامية.
وداخل إسرائيل، اصطدمت هذه الإجراءات بوزارة المالية. فقد نقلت وكالة رويترز أنّ سموتريتش كتب إلى المراقب على البنوك في حزيران/يونيو 2025 مندداً بالمصارف التي حجبت خدماتها عن مستوطنين مدرجين على قائمة الاتحاد الأوروبي، ومحذراً من أنها قد تكون مدينة لهم بتعويضات. وقدّم مستوطن ومنظمة «هشومير يوش» اعتراضين لدى الخارجية البريطانية للطعن في إدراجهما، في أول تحدٍّ من نوعه.
ولم يُنشر أي رقم رسمي إسرائيلي لإنفاذ القانون يناقض سلسلة «يش دين». وأفاد «أوتشا» في شباط/فبراير بأنّ مستوطنين قتلوا نصر الله أبو صيام قرب مخماس، وأنه لم تُتخذ أي خطوات لاحتجاز مشتبه بهم، ولم يُعلن عن وضع الملف حتى الآن.

