الضفة والقدس
الاحتلال يمنح المستوطنين ثلاثة أضعاف حصة الفلسطينيين من المياه
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
هدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي ما متوسطه نحو 14 منشأة مياه وصرف صحي شهرياً في المنطقة (ج) من الضفة الغربية خلال عام 2025 والأشهر السبعة الأولى من عام 2026، أي أكثر من ثلاثة أضعاف المعدل الشهري المسجّل في الأعوام السابقة، وفق ما أورده مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في تقريره الصادر في 23 تموز/يوليو 2026.
وبيّن التقرير ذاته أنّ خزانات المياه شكّلت، منذ بداية عام 2026، أكثر من نصف نحو 160 منشأة مياه وصرف صحي تعرّضت للتضرر أو التدمير أو الاستيلاء في هجمات المستوطنين في أنحاء الضفة الغربية. وكان تقرير المكتب الصادر في 12 حزيران/يونيو قد أحصى أكثر من 100 حادثة هدم وعنف استيطاني خلال العام أضرّت بأكثر من 190 منشأة من هذا النوع أو دمّرتها.
وتقع عمليات الهدم على سكان يستهلكون أصلاً كميات تقل كثيراً عن الحد الأدنى الذي أقرّته منظمة الصحة العالمية. فقد قدّرت مؤسسة «بتسيلم»، في تقريرها «عطشى» الصادر عام 2023، الاستهلاك اليومي بـ82.4 ليتراً للفرد بين فلسطينيي الضفة الغربية، مقابل 247 ليتراً للإسرائيليين بمن فيهم المستوطنون، أي ثلاثة أضعاف.
وخلصت المؤسسة إلى أنّ 36 بالمئة فقط من فلسطينيي الضفة تصلهم المياه الجارية يومياً، وأنّ نحو 100 ألف شخص في 70 تجمعاً غير موصولين بالشبكة إطلاقاً ويعيشون على قرابة 26 ليتراً في اليوم، وهو مستوى شبّهته «بتسيلم» بمناطق الكوارث.
وتتباين الأرقام بحسب المصدر والسنة. فقد أورد الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني 88 ليتراً للفرد يومياً في الضفة الغربية لعام 2023، من أصل استهلاك إجمالي بلغ 95.5 مليون متر مكعب، ولفت إلى أنّ الرقم يشمل الاستخدامات التجارية والصناعية، ما يعني أنّ نصيب الاستهلاك المنزلي أدنى من ذلك.
أمّا منظمة العفو الدولية فقد استخدمت رقم 73 ليتراً، ونقلت بيانات لأوتشا تُظهر انخفاض الاستهلاك إلى 20 ليتراً يومياً في بعض التجمعات الرعوية. ويشير أوتشا إلى أنّ تجمعات الأغوار غير الموصولة بالشبكة تحصل على أقل من 50 ليتراً، في حين تتمتع جميع البيوت في المستوطنات القريبة بإمداد دائم غير محدود عبر الأنابيب.
وتعود قاعدة هذا التوزيع إلى المادة 40 من الملحق الثالث لاتفاق أوسلو الثاني عام 1995، التي أقرّت بحقوق الفلسطينيين في المياه لكنها أحالتها إلى مفاوضات الوضع النهائي. وبموجب المادة ذاتها، خُصّص لإسرائيل نحو 80 بالمئة من الحوض الجوفي الجبلي المشترك، وحُدّدت نسبة 94 بالمئة من الحوض الغربي للاستخدام داخل إسرائيل. وقد وُضعت هذه الكميات لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات ولم تُعدّل قط.
وأنشأت المادة 40 «لجنة المياه المشتركة» لإقرار مشاريع المياه والصرف الصحي. ونقل موقع «ميدل إيست آي» في عام 2023 أنّ هذا الترتيب فصل خدمات المياه، التي أُوكلت إلى السلطة الفلسطينية، عن مصادر المياه التي بقيت تحت السيطرة الإسرائيلية، وأنّ تركيبة اللجنة منحت الجانب الإسرائيلي حق اعتراض فعلياً على المقترحات الفلسطينية.
وخلص تقييم أعدّه البنك الدولي للقيود المفروضة على قطاع المياه الفلسطيني، ونُشر في نيسان/أبريل 2009 بطلب من السلطة الفلسطينية، إلى أنّ الاستخراج الإسرائيلي من أحواض الضفة الغربية يزيد بنحو 80 بالمئة على الحصة المقررة في أوسلو، في حين بقي السحب الفلسطيني في حدود حصته المتفق عليها. وأوردت مجلة «ميد»
المتخصصة، في تلخيصها للتقرير، أنّه وجد أنّ الفلسطينيين لا ينفذون إلا إلى نحو خُمس الإمدادات المتاحة. وسجّلت مذكرة قطاعية لاحقة للبنك الدولي عن المياه في الضفة الغربية وقطاع غزة أنّ السلطة الفلسطينية تُحاسَب على كلفة الإنتاج الكاملة للمياه المحلّاة التي تزوّد بها «ميكوروت» الأردن بسعر مخفّض.
وتوقفت اللجنة عن العمل ست سنوات. وأفاد موقع «واينت» بأنّ رئيس «منسق أعمال الحكومة في المناطق» اللواء يوآف مردخاي ووزير الشؤون المدنية في السلطة الفلسطينية حسين الشيخ وقّعا في 15 كانون الثاني/يناير 2017 اتفاقاً لإعادة تشغيلها. ونقلت «الجزيرة» أنّ الاتفاق المرافق نصّ على أن تبيع إسرائيل 32 مليون متر مكعب من المياه للسلطة، منها 22 مليوناً للضفة الغربية بسعر 3.3 شيكل للمتر المكعب.
وتكرّر تقليص الإمدادات منذ ذلك الحين. فقد أعلنت سلطة المياه الفلسطينية في نيسان/أبريل 2025 أنّ شركة «ميكوروت» خفّضت التدفق على خط دير شعار الذي يغذّي الخليل وبيت لحم بمقدار 5500 متر مكعب يومياً. وقال عضو المجلس البلدي في الخليل عبد الكريم فرّاح لصحيفة «العربي الجديد»
إنّ الإمداد تراجع من 22 ألف متر مكعب شهرياً إلى نحو 8 آلاف. وأورد أوتشا في آب/أغسطس 2025 أنّ إمدادات «ميكوروت» لمحافظتي القدس ورام الله انخفضت بما لا يقل عن 10 إلى 15 بالمئة دون إبداء سبب واضح، على شبكة تخدم رام الله والبيرة وعشر بلدات وخمسة مخيمات للاجئين وأكثر من 40 قرية.
وباتت منشآت المياه تشكّل حصة كبيرة من الأبنية التي تُدمّر. فقد أفاد أوتشا في أيار/مايو 2026 بأنّ نحو 71 بالمئة من قرابة 400 منشأة هُدمت في المنطقة (ج) خلال العام بحجة عدم الحصول على تراخيص إسرائيلية كانت منشآت زراعية أو معيشية أو منشآت مياه وصرف صحي.
وفي خلة الضبع في مسافر يطا، سجّل المكتب في 5 أيار/مايو 2025 هدم 39 منشأة بينها ستة آبار جمع مياه وشبكة المياه الخاصة بالتجمع، ما ترك القرية دون مياه. وأفادت وكالة «وفا»
الفلسطينية بأنّ قوات الاحتلال هدمت في 29 تموز/يوليو 2026 تجهيزات ثلاثة آبار ارتوازية في عاطوف ورأس الأحمر جنوب شرق طوباس، بعد أن ردمتها قبل أسبوعين.
وقالت «منسق أعمال الحكومة في المناطق» لشبكة «سي إن إن» في نيسان/أبريل 2026 إنّ إسرائيل تحوّل نحو 90 مليون متر مكعب من المياه إلى السلطة الفلسطينية سنوياً، وإنّ مسؤولية تزويد الفلسطينيين في الضفة الغربية بالمياه «تقع على السلطة الفلسطينية»، وإنّ «سرقة المياه الواسعة في الجانب الفلسطيني» هي ما يفسّر النقص العارض.
ووصفت الادعاءات بأنّ إسرائيل تستخدم المياه وسيلة للسيطرة بأنها متحيّزة. وقدّرت بيانات الدائرة الهيدرولوجية في سلطة المياه الإسرائيلية، التي نقلتها «العربي الجديد»، الفاقد من الآبار غير المرخّصة بنحو 52 مليون متر مكعب سنوياً في أكثر من 440 بئراً في الحوض الجبلي.
ونقلت وكالة «رويترز» أنّ الجيش الإسرائيلي أقرّ بتلقي تقارير متعددة عن إتلاف مدنيين إسرائيليين منشآت مياه بشكل متعمد، وقال إنّه لم يُحدد أي مشتبه بهم. وسجّلت الأمم المتحدة 62 حادثة تخريب نفّذها مستوطنون استهدفت آباراً وخطوط أنابيب وشبكات ريّ. ولا يتضمن السجل العلني ما يفيد بأنّ أي من هذه الملفات أفضى إلى توجيه اتهامات.
ولا تُنشر موافقات لجنة المياه المشتركة، ما يجعل من غير الممكن أن يُحدَّد من السجلات أي المشاريع الفلسطينية المعلّقة متعطلة وما أسباب تعطّلها. كما لم توضح «ميكوروت» علناً الأساس الفني أو التوزيعي الذي تستند إليه تخفيضات هذا العام، في حين يمتد موسم الإمداد الصيفي حتى تشرين الأول/أكتوبر.
