من الميدان
اللجان الشعبية تسدّ فراغ الأونروا في مخيمات لبنان
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
خفّضت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ساعات تقديم خدماتها بنسبة 20 في المئة في كانون الثاني/يناير 2026، مع خفض موازٍ لرواتب معظم موظفيها الفلسطينيين، وفق الكلمة التي ألقاها المفوض العام بالإنابة كريستيان سوندرز أمام مؤتمر التعهدات للوكالة في الأول من تموز/يوليو. وبعد ستة أشهر، تقول الوكالة إن عجزاً في السيولة النقدية بقيمة 100 مليون دولار ما زال قائماً لهذا العام.
أما الساعات التي رُفعت من الجدول، فلم تبقَ فراغاً في مخيمات لبنان الاثني عشر. تولّتها اللجان الشعبية، وأطقم الصيانة التابعة للفصائل، وعدد محدود من الجمعيات المحلية المعروفة بأسمائها — وهي جهات لا تُنشر موازناتها، ولا يحدد أي نص قانوني مسؤولياتها.
حجم النقص مثبت في السجل العلني. فمحضر مؤتمر التعهدات المنعقد في 30 حزيران/يونيو، الذي نشرته الأمم المتحدة، يفيد بأن الأونروا تلقّت 829 مليون دولار من المساهمات في عام 2025، منها 76 مليون دولار من الموازنة العادية للأمم المتحدة، مقابل احتياجات قدرها 3.3 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 27 في المئة مما قالت الوكالة إنها بحاجة إليه.
وقدّرت اللجنة الاستشارية لشؤون الإدارة والميزانية في الأمم المتحدة، في تقريرها الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، إيرادات موازنة البرامج لعام 2026 بنحو 500 مليون دولار، في مقابل موازنات تراوحت في السنوات الأخيرة بين 700 و800 مليون دولار.
«لا تدير المخيمات ولا تضطلع بمهام الشرطة فيها»
وكان المفوض العام فيليب لازاريني قد أبلغ اللجنة الرابعة للجمعية العامة في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 أن الفجوة بين الربع الأخير من 2025 والربع الأول من 2026 تبلغ نحو 200 مليون دولار، وأن الإيرادات المتوقعة أدنى من أن تستوعبها.
ودعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في الأول من تموز/يوليو الدول إلى تغطية المئة مليون دولار المتبقية، بحسب ما أوردته الجزيرة نقلاً عن رويترز ووكالة الصحافة الفرنسية. ونقل موقع «ميدل إيست آي» في 20 تموز/يوليو عن مسؤول في الأونروا تكرار الرقم نفسه.
وفي قطاع غزة كانت الإجراءات أقسى. فقد أفادت الجزيرة في 30 كانون الثاني/يناير، استناداً إلى رسالة وجّهها لازاريني إلى الموظفين المتأثرين، بأن الأونروا فرضت خفضاً بنسبة 20 في المئة على رواتب الموظفين المحليين في غزة، وقلّصت ساعات العمل، وأنهت عقود الموظفين المقيمين خارج القطاع الذين كانوا في إجازة استثنائية، وأن الرسالة أرجعت هذه القرارات إلى نقص في موازنة 2026 يقارب 220 مليون دولار.
لبنان هو المكان الذي يظهر فيه الاستبدال بأوضح صوره، لأن الوكالة لم تكن يوماً السلطة الحاكمة في الأماكن التي تخدمها. فصفحة الأونروا الخاصة بلبنان تنص على أنها تقدّم خدماتها في اثني عشر مخيماً، وأنها «لا تدير المخيمات ولا تضطلع بمهام الشرطة فيها»، وتقول إن ذلك من مسؤولية السلطات المضيفة.
وتذهب صفحتها عن مخيم برج البراجنة، المحدَّثة في كانون الأول/ديسمبر 2023، إلى قول أصرح: الأمن والإدارة هناك مسؤولية اللجان الشعبية والفصائل الفلسطينية.
أما عدد المتأثرين فهو نفسه محل تفاوت. تسجّل الأونروا ما يقل قليلاً عن 500 ألف لاجئ مسجَّل في لبنان حتى شباط/فبراير 2025، مع تنبيهها إلى أن التسجيل طوعي وأن الوفيات وحالات الهجرة غالباً ما لا تُبلَّغ. وقدّر موقع «بيبولز ديسباتش»، في تغطيته لاحتجاجات على تقليص الخدمات في شباط/فبراير 2026، عدد المقيمين داخل المخيمات بنحو 230 ألفاً.
وما توقّف موثّق في تقارير الطوارئ الصادرة عن الوكالة نفسها. فتقارير الوضع في لبنان لعام 2026 تسجّل إغلاق المدارس في عموم البلاد ومركز سبلين للتدريب المهني بقرار من الوكالة، وإغلاق عيادتي الغازية وعدلون في منطقة صيدا، واستمرار الرعاية الأولية في بيروت عبر عيادتي مار الياس وبرج حمود وعيادة طوارئ مؤقتة في المصيطبة.
وبحلول التقرير الثالث عشر في حزيران/يونيو، أحصت الأونروا 201,049 استشارة طبية في العيادات العاملة منذ بدء الطوارئ، منها 18,431 استشارة للمهجَّرين. وتذكر التقارير ذاتها أن تغطية الاستشفاء لإصابات النزاع لا تتولاها الأونروا، بل وزارة الصحة العامة اللبنانية واللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وتسمّي التقارير أيضاً من يتولّى الطبخ. فالوجبات الساخنة في مركز الإيواء بسبلين تقدّمها الشريكة المحلية «شيلد»، وفي مركز بتير جمعية «برنامج المرأة»، في إطار قطاع الأمن الغذائي الذي يقوده برنامج الأغذية العالمي. وتسجّل الأونروا أن المطابخ الميدانية في مركزي الإيواء التابعين لها أُنشئت مع المنظمة المجتمعية «إنيشييت»
بتمويل مشترك من هيئة الأمم المتحدة للمرأة، ومع جمعية برنامج المرأة بتمويل مشترك من «أنيرا»، وأن النقل الطبي الطارئ يُنسَّق مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.
عمل اللجان أقدم من الأزمة. فإعلان الأونروا عام 2014 عن محطة تحلية بالتناضح العكسي في برج البراجنة بتمويل سويسري وصف المشروع بأنه أُنجز بالشراكة مع اللجان الشعبية. وتسجّل موسوعة «فلسطين في الذاكرة التفاعلية»
(بالكويست) أن اللجنة الشعبية في مخيم الجليل ركّبت محطة لتنقية المياه، وأن فريق الصيانة التابع لها يصلح الخطوط عندما تحترق المحوّلات، وأن معظم الكهرباء المنزلية تُشترى اليوم من اشتراكات المولّدات الخاصة منذ الانهيار الاقتصادي في لبنان — وهي اشتراكات اضطرت عائلات إلى إلغائها.
والإدارة داخل المخيمات ليست على نمط واحد. فبالكويست تذكر أن برج البراجنة يخلو من لجنة شعبية واحدة تدير الشؤون اليومية، إذ تتوزع فيه هياكل متنافسة تعود إلى عام 1982، وتحمل مكاتب الفصائل جزءاً كبيراً من أعباء الخدمات.
ويقول مسؤولون في اللجان إن عبء الصيانة تضخّم بقدر ما تراجع عبء الوكالة. ونقل موقع «فلسطين بلا حدود» عن أمين سر اللجنة الشعبية في مخيم برج البراجنة عيسى غضبان قوله إن الأونروا أوقفت أصلاً عدداً من برامج ترميم المنازل والمشاريع الخدمية، في حين تبقى منازل كثيرة في المخيمات غير آمنة إنشائياً. وأفادت «بوابة اللاجئين الفلسطينيين»
في آذار/مارس 2026 بأن سكان المخيم نفسه واجهوا تقليصاً في خدمات التعليم والصحة، إلى جانب خفض مادة الديزل المخصصة للآبار التي تضخ مياههم.
ونقل «المركز الفلسطيني للإعلام» في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 عن علي هويدي، المدير العام لمؤسسة «حق العودة 302» للدفاع عن حقوق اللاجئين، أن عشرة معلمين أُبعدوا عن مدارس الأونروا دون إشعار مسبق، وأن خمس مدارس في مخيم عين الحلوة ما زالت مغلقة بعد الاشتباكات، دون جدول زمني لإصلاحها.
والجهات التي تستوعب الفراغ تعاني نقصاً بدورها. فقد أوردت «راية» أن اجتماع أحمد أبو هولي، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئيس دائرة شؤون اللاجئين فيها، مع رؤساء اللجان الشعبية للخدمات في مخيمات الضفة الغربية في 8 تموز/يوليو، تناول أوضاع اللجان المالية وكلف تشغيلها، وسبل تمكينها من مواصلة تقديم الخدمات الأساسية. ولم تُنشر أي نتائج للاجتماع.
وقال أبو هولي في مقابلة مع إعلامي مصري في حزيران/يونيو، في تصريحات نقلتها بوابة اللاجئين الفلسطينيين، إن موازنة الأونروا لعام 2026 المخصصة للحد الأدنى من الخدمات خُفّضت من نحو 957 مليون دولار إلى 750 مليوناً.
وفي غزة، أفادت وكالة «وفا» بأن رؤساء اللجان الشعبية حذّروا، في اجتماع عقدوه في 27 كانون الثاني/يناير، من احتقان متصاعد في المخيمات بسبب استمرار التقليصات، وطالبوا الوكالة بالتراجع عن قرارات التسريح الجماعي.
ويبقى التراجع عن تخفيضات كانون الثاني/يناير معلّقاً على أموال لم تصل. قال سوندرز أمام مؤتمر التعهدات إن إعادة العمليات إلى نطاقها السابق لن تكون ممكنة من دونها. أما ما لا تحدده أي وثيقة منشورة، فهو من يتحمّل المسؤولية في هذه الأثناء عن شبكات المياه والنفايات والمساكن غير الآمنة داخل مخيمات تقول الأونروا إنها لا تديرها، ولا تدخلها الخدمات العامة اللبنانية.



