الشفافية والمساءلة
الاحتلال يقتل 209 صحفيين دون محاكمة جندي واحد
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
حين أعلن الجيش الإسرائيلي في التاسع عشر من آب/أغسطس فتح أولى تحقيقاته الجنائية في سلوك جنوده بقطاع غزة، لم يكن مقتل أي صحفي مدرجاً على القائمة.
وذكر الجيش أنه أنهى مراجعة 150 حادثة وتوصل إلى قرارات في خمس منها، فأمر بتحقيقات جنائية في قتل الطفلة هند رجب (خمس سنوات) وأفراد عائلتها، وفي قتل 15 مسعفاً فلسطينياً، فيما امتنع عن التحقيق في ثلاث هجمات أودت بحياة عاملي إغاثة من منظمتي «المطبخ المركزي العالمي» و«أطباء بلا حدود»، وفق ما أوردته NPR.
ولم يأتِ البيان على ذكر قضايا سبق أن تعهدت إسرائيل بفحصها، ومنها الغارات التي استهدفت مستشفى ناصر في خان يونس في آب/أغسطس 2025 وقتلت خمسة صحفيين، بينهم مريم دغة التي كانت تعمل مراسلة مستقلة لوكالة أسوشيتد برس.
ووفق الإجراء الذي عرضته NPR، يرفع المحققون العسكريون تقاريرهم إلى النيابة العسكرية، ثم يملك المدعي العام العسكري أن يواصل التحقيق أو يوجه لائحة اتهام أو يمتنع عن الملاحقة. وقال تال شتاينر، رئيس منظمة «هَموكيد» الإسرائيلية الحقوقية، لـNPR إن أي خطوة ستستغرق وقتاً طويلاً، إن جاءت أصلاً.
الفجوة بين عدد القتلى وعدد الملاحقات هي الحقيقة المركزية في هذا السجل.
فقد قدّرت لجنة حماية الصحفيين حصيلة من قتلتهم إسرائيل في غزة وفي معتقلاتها منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 بـ209 صحفيين وعاملين في الإعلام، حتى الخامس والعشرين من حزيران/يونيو الماضي.
وجاء هذا الرقم بعد أن حذفت اللجنة 20 اسماً من قاعدة بياناتها، ثمانية منها قالت إنه ثبت لاحقاً أنهم مقاتلون في حماس أو حركة الجهاد الإسلامي بعدما نشرت الحركتان نعوات تعرّفهم بوصفهم مقاتلين، و12 حُذفوا لأسباب أخرى. وقبل عمليات الحذف، أحصت بيانات اللجنة التي استشهدت بها الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية في آذار/مارس 262...
259 عاملاً في الإعلام قُتلوا في النزاع الأوسع، منهم 210 صحفيين فلسطينيين داخل غزة.
أما الإحصاءات الفلسطينية فأعلى. إذ أفادت نقابة الصحفيين الفلسطينيين بأن إسرائيل قتلت 265 صحفياً في غزة، بينهم 27 امرأة، وأصابت نحو 500 آخرين، واعتقلت أكثر من 34، بحسب ما نقلته الجزيرة في تموز/يوليو. وأورد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة رقم 262 قتيلاً، مع ثلاثة صحفيين مجهولي المصير.
وسجّل نادي الأسير الفلسطيني أكثر من 245 حالة اعتقال لصحفيين في غزة والضفة الغربية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، لا يزال 42 منهم رهن الاحتجاز.
وقال الاتحاد الدولي للصحفيين في حزيران/يونيو إن ما لا يقل عن 240 صحفياً وعاملاً في الإعلام قُتلوا في غزة. وأحصى في جردته الختامية لعام 2025 مقتل 128 صحفياً وعاملاً في الإعلام حول العالم في ذلك العام، 74 منهم في الشرق الأوسط والعالم العربي، بينهم 56 في فلسطين، وهي أعلى حصيلة وطنية في القائمة.
وثّقت منظمة «مراسلون بلا حدود»، التي لا تحصي سوى الحالات التي تستطيع ربطها ربطاً قاطعاً بعمل الصحفي، مقتل 29 صحفياً فلسطينياً في قطاع غزة برصاص القوات الإسرائيلية بين كانون الأول/ديسمبر 2024 وكانون الأول/ديسمبر 2025، أي 43 في المئة من أصل 67 قتيلاً في العالم خلال تلك الفترة، وهو ما جعل غزة المكان الأشد فتكاً بالمهنة على وجه الأرض للعام الثاني على التوالي.
وحلّت المكسيك ثانية بتسعة قتلى. ووصفت المنظمة الجيش الإسرائيلي بأنه «مفترس أمني».
وسجّلت لجنة حماية الصحفيين مقتل 129 من أهل الصحافة خلال عام 2025، ونسبت ثلثي هذه الوفيات إلى إسرائيل، مؤكدة أن الجيش الإسرائيلي بات قد قتل من الصحفيين أكثر مما قتلته أي حكومة أخرى منذ بدأت اللجنة تسجيلاتها عام 1992.
ومن بين 47 حالة صنّفتها اللجنة قتلاً عمداً، أي القتل بسبب العمل الصحفي، حمّلت إسرائيل مسؤولية 81 في المئة منها، مع تنبيهها إلى أن العدد الحقيقي لعمليات القتل المستهدف قد يكون أعلى، لأن منع دخول الصحافة الأجنبية المستقلة وتدمير الاتصالات والتهجير الجماعي تجعل التحقيق في كل حالة أمراً عسيراً.
ويعترض مسؤولون إسرائيليون على هذا التوصيف. فقد فحص مركز المعلومات الاستخبارية والإرهاب (مئير عاميت)، في بحث نقلته صحيفة The Jerusalem Post، 266 حالة لعاملين في الإعلام أُبلغ عن مقتلهم بين السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 والثلاثين من تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وخلص إلى أن 60 في المئة منهم أعضاء في جماعات مسلحة أو مرتبطون بها.
وترد لجنة حماية الصحفيين بأن إسرائيل قتلت مراراً صحفيين ثم زعمت، وأحياناً قبل قتلهم، أنهم مسلحون، من دون تقديم أدلة ذات مصداقية.
يظهر هذا النمط في أكثر القضايا حضوراً في الإعلام. فبعد الغارة التي استهدفت في العاشر من آب/أغسطس 2025 خيمة أمام مستشفى الشفاء وقتلت مراسل الجزيرة أنس الشريف وأربعة من زملائه، قال الجيش الإسرائيلي إنه كان يقود خلية تابعة لحماس ويدفع بإطلاق الصواريخ على المدنيين والجنود الإسرائيليين.
ونفى الشريف أي انتماء، ووصفت الجزيرة الغارة بأنها هجوم مستهدف للصحفيين، وقالت CNN إنها لم تتمكن من التحقق من الوثائق التي نشرها الجيش، فيما كانت إيرين خان، المقررة الأممية الخاصة المعنية بحرية التعبير، قد وصفت قبل أسبوعين اتهامات الجيش له بأنها لا أساس لها. ولم يحسم الخلاف أي اتهام قضائي ولا أي استنتاج مستقل منشور.
ولا يوحي السجل الأقدم بنتيجة مختلفة. فقد وجدت دراسة لجنة حماية الصحفيين الصادرة عام 2023 بعنوان «نمط قاتل» أن 20 صحفياً قضوا بنيران الجيش الإسرائيلي على مدى 22 عاماً من دون محاسبة أحد.
وفي قضية اغتيال شيرين أبو عاقلة في جنين في أيار/مايو 2022، لم تفتح إسرائيل تحقيقاً جنائياً ولم توجه الاتهام إلى أحد، ثم أقرّ الجيش لاحقاً باحتمال كبير أن تكون نيرانه هي التي قتلتها، وأعلن أنه لن يلاحق أحداً قضائياً.
وبعد أربع سنوات، كتبت اللجنة في أيار/مايو أن تحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي فُتح عام 2022 يبدو متوقفاً، بلا تحديث علني ولا جدول زمني. وحلّت إسرائيل في المرتبة الثانية على مؤشر الإفلات من العقاب العالمي الذي أصدرته اللجنة عام 2024، في أول ظهور لها عليه.
وللسلطات الفلسطينية سجلها الخاص. فقد وثّق «مدى»، المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية في رام الله، 957 انتهاكاً بحق الحريات الإعلامية عام 2025، وعنون تقريره السنوي بـ«عام الصمت»، واصفاً الانتهاكات بأنها منهجية وترتكب في ظل الإفلات من العقاب.
وفي النصف الأول من 2025 أحصى المركز 537 انتهاكاً مقابل 327 في الفترة نفسها من العام السابق، منها 34 انتهاكاً، أي ستة في المئة، ارتكبتها جهات فلسطينية، بارتفاع نسبته 278 في المئة عن تسعة انتهاكات سجّلها في الأشهر ذاتها من 2024. وشملت تلك الانتهاكات اعتقالات واستدعاءات ومنعاً من التغطية ومصادرة معدات.
ولا يفصّل الملخص المنشور للمركز توزيع الـ34 بين السلطة الفلسطينية والسلطات التي تديرها حماس في غزة. ومنح مؤشره لحرية الصحافة لعام 2025 فلسطين 401 نقطة، ضمن الخانة التي يسميها «الحساسة»، ودعا باحثوه إلى إصلاح تشريعي.
ويشير ملف «مراسلون بلا حدود» الخاص بفلسطين إلى أن الصحفيين المشتبه في تعاونهم مع إسرائيل تعرقلهم حماس والجهاد الإسلامي، وأن ضمانات حرية الصحافة في القانون الأساسي الفلسطيني تصطدم عملياً بمصالح أصحاب النفوذ.
وقالت لجنة حماية الصحفيين إن مراجعتها الكاملة لقاعدة بياناتها ستنتهي في تموز/يوليو، وإن مجلس إدارتها صوّت للإبقاء على التعريف القائم لمن يُعدّ صحفياً. ولم يُنشر بعدُ ما ستغيّره هذه المراجعة في رقم الـ209، كما لم يصدر أي قرار عن المدعي العام العسكري الإسرائيلي بشأن الغارات على مستشفى ناصر، بعد ثلاثة عشر شهراً من مقتل خمسة صحفيين فيها.



