سياسة ودبلوماسية
البنتاغون يطالب مصانع السلاح بالتسريع.. والكونغرس يجمّد المال

حقوق الصورة: US Capitol — Martin Falbisoner / Wikimedia Commons, CC BY-SA 3.0 · الترخيص
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
أمضت واشنطن الأسبوع الأول من آب/أغسطس تُحصي ما التهمته الحرب مع إيران من مخزونها، ثم اكتشفت في نهايته أنّ المال اللازم لإعادة ملء هذا المخزون عالقٌ في الكونغرس.
فقد أرسل نائب وزير الدفاع الأميركي ستيف فاينبرغ يوم الأربعاء الماضي مذكرة إلى رؤساء شركات السلاح الأميركية حدّد لهم فيها مهلة واحدة وواضحة: 21 يوماً لتقديم خططٍ تضمن «جداول تسليم أسرع وأكثر جرأة و/أو زيادة الإنتاج للقدرات الحرجة».
وكتب فاينبرغ في المذكرة: «دورات التطوير التي تمتدّ سنوات لم تعد مقبولة. علينا أن نُسرّع جداولنا البرنامجية ونوسّع طاقتنا الإنتاجية الآن».
حصلت صحيفة واشنطن بوست على نصّ المذكرة، فيما أكّد المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل صحّتها، وقال إنّها ستُبنى عليها موازنة وزارة الدفاع للسنة المالية 2028، أي مالٌ لا يصل قبل سنوات.
ليست هذه مسألة إدارية أميركية بعيدة عن القارئ في غزة أو رام الله؛ فخطوط الإنتاج نفسها، وقوانين الاعتمادات نفسها، وأعضاء مجلس الشيوخ أنفسهم، هم من يقرّرون ما يُسلَّم لإسرائيل، وحسابات الندرة بدأت تحرّك نقاشاً لم تُحرّكه السياسة وحدها.
ماذا استهلكت الحرب#
يأتي أوضح جردٍ علني للخسائر لا من البنتاغون، بل من مركز أبحاث في العاصمة الأميركية.
يقدّر باحثو مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ومشروعه للدفاع الصاروخي مقروءٌ في أوساط المؤسسة الدفاعية الأميركية، أنّ الولايات المتحدة كانت تملك نحو 2200 صاروخ اعتراضي من أحدث طرازَي «باتريوت»، و452 صاروخاً من منظومة «ثاد» قبل اندلاع الحرب مع إيران.
أمّا تقديرهم اليوم فيتراوح بين 759 و827 صاروخ «باتريوت» — أي نحو ثلث المخزون السابق — وبين 234 و278 صاروخاً من «ثاد». وهي تقديرات تحليلية مبنية على سجلّات الشراء لا أرقام رسمية، إذ لم ينشر البنتاغون أرقامه.
وكتب الباحثان مارك كانسيان وكريس بارك في تقديرهما، الذي نقلته صحيفتا ستارز آند سترايبس وميليتري تايمز أواخر تموز/يوليو، أنّ «تراجع المخزونات قد يدفع الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف إلى المجازفة أكثر في قرارات الاعتراض».
ونقلت شبكة سي إن إن في الرابع من آب/أغسطس عن مطّلعين أنّ قرابة 80 في المئة من صواريخ إحدى منظومات الدفاع الجوي الرئيسية استُهلكت منذ بدء القتال.
المال الذي لم يتحرّك#
يشتري البنتاغون ما يستطيع شراءه من دون تشريع جديد. ففي الثالث من آب/أغسطس وقّع اتفاقات إطارية بنحو 3 مليارات دولار: ملياران مع شركة نورثروب غرومان لمحرّكات صواريخ «باتريوت»، ونحو مليار لمكوّنات هيكلية لمنظومة «ثاد»، على مدى سبع سنوات، إضافة إلى اتفاق منفصل مع «إل ثري هاريس» لمضاعفة إنتاج مكوّنات الدفع ثلاث مرات، بحسب موقع ديفينس سكوب المتخصّص.
وقال مايكل دافي، وكيل وزارة الدفاع لشؤون التسلّح والاستدامة، إنّ هذه الاتفاقات «حيوية لتسريع مضاعفة إنتاج باتريوت ثلاث مرات، وإنتاج ثاد أربع مرات». وكانت الوزارة أعلنت مطلع العام ترتيبات مماثلة مع «بي إيه إي سيستمز» و«لوكهيد مارتن» و«هانيويل».
غير أنّ ذلك كلّه لا يسدّ الفجوة، لأنّ المبالغ الكبرى لم تُقرّ بعد. فقد أبلغ وزير الدفاع بيت هيغسيث لجنة الاعتمادات في مجلس الشيوخ في 21 تموز/يوليو أنّ كلفة الحرب مع إيران بلغت 37.5 مليار دولار حتى نهاية أيلول/سبتمبر، بزيادة 8.5 مليارات عن تقدير الإدارة في أيار/مايو، وطلب 67.1 مليار دولار إضافية كتمويل طارئ.
ونقلت شبكة إن بي سي أنّ التقدير الداخلي للوزارة، شاملاً إصلاح القواعد والطائرات المدمّرة وإعادة ملء المخزون بالكامل، يتراوح بين 80 و100 مليار دولار.
ثم فعل الكونغرس عكس ما طلبه البنتاغون. أقرّ مجلس الشيوخ في الثامن من آب/أغسطس تمويلاً مؤقتاً بأغلبية 90 صوتاً مقابل 6، يُبقي وزارة الدفاع على مستويات إنفاق العام الماضي حتى 11 كانون الأول/ديسمبر ويمنع إطلاق برامج جديدة، وفق ما ذكر موقع بريكينغ ديفينس. واستُبعد من النص ما طلبه البيت الأبيض بالاسم: مليار دولار لبارجة جديدة، وإذنٌ بالإنفاق على خمسة عقود ذخائر متعدّدة السنوات.
وأقرّ مجلس النواب نسخته الممتدة حتى الرابع من كانون الأول/ديسمبر فقط، على أن يتفق المجلسان في أيلول/سبتمبر تفادياً لإغلاق حكومي في الثلاثين منه. عملياً، الوزارة التي منحت الصناعة ثلاثة أسابيع للإسراع ممنوعةٌ هي نفسها من بدء أيّ شيء جديد.
لماذا يعني المخزن الفارغ شيئاً في غزة والضفة#
لا تعتمد إسرائيل على المخزون الاعتراضي الأميركي وحده، لكنّها تقف في الطابور نفسه، وهذا الطابور صار مادة سجالٍ مفتوح في مجلس الشيوخ.
أقرّت وزارة الخارجية الأميركية في 31 كانون الثاني/يناير صفقات جديدة لإسرائيل بقيمة 6.67 مليارات دولار، منها 30 مروحية أباتشي هجومية بنحو 3.8 مليارات دولار وآلاف المركبات التكتيكية الخفيفة. وفي نيسان/أبريل أسقط المجلس قرارين للسيناتور بيرني ساندرز لوقف بيع قنابل زنة ألف رطل وجرافات مدرّعة، إذ نال قرار الجرافات 40 صوتاً مقابل 59، وهو أعلى تأييد سجّلته محاولة من هذا النوع حتى اليوم.
وانتقل السجال يوم الأحد من الإجراءات إلى السياسة. قال السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي، عضو لجنة العلاقات الخارجية، لبرنامج «ميت ذا برس» على شبكة إن بي سي: «أريد علاقة أميركية إسرائيلية قوية. أنا أدعم إسرائيل. لكنّني لا أستطيع دعم أفعال هذه الحكومة. إنّها لا تنسجم مع أهداف الأمن القومي الأميركي».
وأضاف ميرفي أنّه إلى أن تتغيّر الحكومة الإسرائيلية وسياستها «سيكون صعباً على أمثالي، ممّن يريدون دولة فلسطينية إلى جانب دولة يهودية في المنطقة، أن يدعموا مواصلة إرسال السلاح لإسرائيل».
جاء كلامه ردّاً على بنيامين نتنياهو الذي أبلغ حكومته في اليوم نفسه أنّه ما دام في منصبٍ منتخب «لن تقوم دولة فلسطينية، لا في غزة ولا في يهودا والسامرة» — وهي التسمية الرسمية الإسرائيلية للضفة الغربية المحتلة.
إسرائيل تبني خطّها الخاص#
قرأت إسرائيل الندرة قبل واشنطن. فقد ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال في 27 آذار/مارس أنّ الجيش بدأ ترشيد استخدام الصواريخ الاعتراضية، فيما نقل موقع سيمافور عن مسؤولين إسرائيليين إبلاغهم الأميركيين أنّ مخزونهم من معترضات الصواريخ الباليستية بلغ مستوى حرجاً، وهو وصفٌ نفاه الجيش الإسرائيلي علناً.
وأعلنت وزارة الأمن الإسرائيلية في نيسان/أبريل شراكة مع مُصنّع أميركي لتسريع إنتاج منظومة «حيتس» (أرو)، بناءً على عقدٍ بمليارات الشواكل وقّعته مع الصناعات الجوية الإسرائيلية في كانون الأول/ديسمبر لتوسيع إنتاج «حيتس 3». وقال وزير الأمن يسرائيل كاتس إنّ التسريع «يحقّق فعلاً زيادة ملموسة في الإنتاج الشهري».
الدلالة بالنسبة للفلسطينيين ليست في الصواريخ الاعتراضية نفسها، فهي موجّهة نحو صواريخ إيران. الدلالة أنّ اقتصاد الحرب الإسرائيلي انتقل إلى وضعٍ يعامل الإمداد الأميركي بوصفه عنق زجاجة يُلتفّ حوله هندسياً، لا ضمانة ثابتة — وأنّ النفوذ الأميركي، إن استُخدم يوماً، أقصر ذراعاً ممّا يفترضه السجال في مجلس الشيوخ.
الحرب التي تريد واشنطن الخروج منها#
يجري هذا كلّه تحت رئيسٍ يقول إنّه يريد المغادرة. فقد قال دونالد ترامب في مقابلة هاتفية قصيرة مع مراسل أكسيوس والقناة 12 الإسرائيلية باراك رافيد إنّه «يخفّض النبرة» تجاه إيران: «نحن نتفاوض معهم نصف تفاوض فقط. نحن نراقب إيران وتضخّمها الهائل وحقيقة أنّه لا مال لديها».
وذكرت وول ستريت جورنال في التاسع من آب/أغسطس أنّ ترامب ألمح لمساعديه إلى إمكان إعلان انتهاء الحرب من دون اتفاق نووي إذا أُعيد فتح مضيق هرمز بالكامل. وبلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 4.02 دولارات للغالون في الثامن من آب/أغسطس مقابل 3.16 دولارات قبل عام، وهذا الرقم يفعل في البيت الأبيض أكثر ممّا يفعله أيّ نقاش حول التخصيب.
يبقى معلّقاً ما إذا كانت الصناعة ستستجيب لمهلة فاينبرغ التي تنتهي أواخر آب/أغسطس، وما إذا كان التمويل الطارئ سيمرّ في كونغرسٍ اختار للتوّ التجميد، وأيّ حصّة من إعادة الملء ستُخصَّص للتحويل إلى الخارج. لم ينشر البنتاغون أيّ كشفٍ بما سلّمه لإسرائيل خلال حرب إيران، ولم يطلب الكونغرس هذا الكشف علناً.
%20(cropped).jpg?width=640)

