الشتات الفلسطيني
يوسف بشير يحمل وصية أبيه من دير البلح إلى واشنطن
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
كبر يوسف بشير في مزرعة خضراء تقارب أربعين دونمًا في دير البلح وسط قطاع غزة، في كنف أبٍ علّمه أن البندقية ليست الجواب. وفي الخامسة عشرة من عمره، اخترقت رصاصة جندي إسرائيلي ظهره أمام باب بيته. وبعد أكثر من عشرين عامًا، ما زال يحمل درس أبيه، لكن من واشنطن هذه المرة، ولأجل غزة خرجت من حرب لم تتخيلها عائلته.
يروي بشير حكايته في مذكراته «كلمات أبي: حب وألم في فلسطين» وفي مقابلات متتالية مع الإذاعات والتلفزيونات الأميركية، وهي من أبرز رحلات جيله: من بيت احتله الجنود إلى أروقة الكونغرس، من غير أن يفلت من يده ما تعلّمه في البيت.
جنود على السطح#
كانت مزرعة العائلة ملاصقة لمستوطنة «كفار داروم» وللموقع العسكري الذي يحرسها. ومع اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 أمر الجنود العائلة بالرحيل، فرفض الأب خليل بشير، مدير المدرسة المعروف والداعية إلى اللاعنف طوال حياته.
بقي الجنود رغم ذلك. استولوا على الطابقين العلويين وحصروا ثلاثة أجيال من العائلة في الطابق الأرضي نحو خمس سنوات. وفي مقابلاته عن الكتاب، وصف بشير كيف كانت العائلة تستأذن الجنود للدخول إلى الحمّام، وجندي يقف على مقربة.
قابل الأب ذلك بالصبر. ظل يكلّم الجنود، ويعلّم أبناءه أن الرجال في الطابق العلوي بشر أيضًا، وأن اللاعنف شكل من أشكال المقاومة.
18 شباط 2004#
في الثامن عشر من شباط/فبراير 2004، وقف يوسف مع أبيه أمام البيت يودّعان ثلاثة موظفين من الأمم المتحدة زاروا العائلة، فأطلق جندي النار على ظهره. استقرت الرصاصة قرب عموده الفقري وتركته مشلولًا من الخصر إلى القدمين.
انتهى به الأمر في مستشفى داخل إسرائيل، وهناك عالجه أطباء إسرائيليون وأعانوه على مدى عام على الوقوف ثم المشي. وقال بشير في مقابلات عدة، بينها بودكاست مجلة «فورين بوليسي» عام 2019، إن رصاصة من إسرائيلي وعلاجًا على أيدي إسرائيليين أكّدا له ما كان أبوه يعلّمه.
من مخيم في ماين إلى الكونغرس#
سافر عام 2005 إلى مخيم «بذور السلام» الصيفي في ولاية ماين، الذي يجمع شبانًا فلسطينيين وإسرائيليين. واستقر في الولايات المتحدة عام 2006، فنال البكالوريوس من جامعة نورث إيسترن في بوسطن، والماجستير في دراسات السلام والنزاع والتعايش من جامعة برانديز.
ثم انتقل إلى واشنطن، فتدرّب في الكونغرس، وعمل ضمن البعثة الدبلوماسية الفلسطينية لدى الولايات المتحدة، وتحدث حيثما وجد من يصغي عن سلام يقوم على كرامة الشعبين. وأصدرت دار «هاربر كولينز» مذكراته عام 2018، واستضافته الإعلامية كريستيان أمانبور في برنامجها للحديث عنها.
غزة من جديد#
امتحنت الحرب التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2023 كل ما بنى عليه حياته. فأمه وأخوه ما زالا في غزة، وبقيا فيها طوال القصف، كما أفادت الإذاعة الأميركية العامة «إن بي آر» في كانون الأول/ديسمبر 2025، فيما كانت الدبابات والمدفعية تقصف بيتهما.
وقال بشير، الذي يعيش اليوم في واشنطن أبًا لطفلين، لـ«إن بي آر» إن الخسائر التي حملها الفلسطينيون في هذه السنوات امتحنت كلمات أبيه «كما لم يحدث من قبل».
«لكنها لم تتلاشَ».
يوسف بشير لإذاعة «إن بي آر»، كانون الأول/ديسمبر 2025
وحوّل هذا اليقين إلى عمل؛ إذ صار مستشارًا لرئيس منظمة «أنيرا» الأميركية للإغاثة، العاملة في فلسطين منذ عقود، وأسّس «مؤسسة سيف»، وهي جمعية خيرية مقرها واشنطن تجمع التبرعات لتوفير الغذاء والماء والملابس وغيرها من العون لعائلات غزة.
الكلمات التي بقيت#
فعلت الرصاصة ما تفعله الرصاصات. لكنها، كما يروي هو، لم تغيّر الفتى الذي ربّاه أبوه. وما زال يوسف بشير يتحدث عن أبيه الراحل كمعلّم لم تنتهِ دروسه بعد: البقاء في الأرض، ورفض الكراهية، ومواصلة الحديث مع من يقف على الجانب الآخر من الباب.
ولجيل من فلسطينيي الشتات يحاول أن يحمل حزن غزة وأمله في يد واحدة، تبدو سيرته أقرب إلى وصية منها إلى مذكرات.






