كل الأخبار ←🌐 English
عاجل

تايمز أوف فلسطين

سياسة ودبلوماسية

بيسنت يتوعّد إيران بعزل اقتصادي.. وبنوك إسرائيل تقطع الفلسطينيين

تايمز أوف فلسطين

بيسنت يتوعّد إيران بعزل اقتصادي.. وبنوك إسرائيل تقطع الفلسطينيين

حقوق الصورة: Treasury Secretary Scott Bessent — US Department of the Treasury / Wikimedia Commons, public domain · الترخيص

تقرير أصلي

تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←

سلاح واشنطن هذا الأسبوع ليس صاروخاً، بل حساب مصرفي. والوزارة التي تمسك بمفتاحه انشغلت بملفين في آنٍ واحد.

أطلّ وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت مساء الخميس على برنامج «روب شميت الليلة» في قناة «نيوزماكس»، ووعد بأقسى خنقٍ مالي جرت محاولته ضد دولة.

وقال: «سنطبّق إجراءات لم يسبق لها مثيل في تاريخ العزل الاقتصادي لأي دولة»، داعياً المشاهدين إلى «ترقّب المزيد من الإعلانات الأسبوع المقبل».

ووصف ما هو آتٍ بأنه «مزيج من عزلٍ اقتصادي لم يشهد العالم مثله، ومن استمرار الحصار في مضيق هرمز الذي يمنع دخول أي شيء إلى الموانئ الإيرانية أو خروجه منها»، في تصريحات نقلتها وكالة «بلومبيرغ» ونقلها موقع «ذا هيل».

وبعد أسبوعين من الإعلان الموعود، وتحديداً في الأول من أيلول/سبتمبر، تتوقف قناة مصرفية أخرى: القناة التي يمرّ عبرها كل شيكل تقريباً في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي أمضت الخزانة الأمريكية نفسها شهوراً تطلب من إسرائيل، بهدوء، إبقاءها مفتوحة.

ما فعلته حملة «الغضب الاقتصادي»#

يسمّي بيسنت جهده «عملية الغضب الاقتصادي»، وهو اسم تعلّقه وزارته على بيانات العقوبات منذ الربيع. واختصر المسار لـ«نيوزماكس» بجملة واحدة: «انتقلنا من الغضب الملحمي إلى الغضب الاقتصادي».

وحجم الحملة مسجّل. أحصى المحامي المتخصص في العقوبات جيريمي بانر نحو 2200 عقوبة أمريكية فُرضت على إيران منذ عام 2018، في تقدير نقلته مجلة «فورتشن» الخميس، منها نحو 350 عقوبة ضمن حملة بيسنت هذا العام.

ويقدّر بيسنت كلفة الحصار البحري على طهران بنحو 4.8 مليارات دولار من عائدات النفط، بحسب ما نقل موقع «ذا هيل». فيما بلغ التضخم السنوي في إيران 77 بالمئة، وهبطت العملة أكثر من عُشر قيمتها قياساً بمستوى ما قبل الحرب.

وقال مندوب الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز لـ«فورتشن» إن الإيرانيين يخشون وزير الخزانة أكثر مما يخشون وزير الدفاع بيت هيغسيث، مضيفاً: «الحكومة هي التي تُذيق شعبها المعاناة، ونحن ماضون في الضغط».

ولا يجزم عالَم العقوبات في واشنطن بأن الضغط يتحوّل إلى نتيجة سياسية. فقد قال مياد ملكي من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، وهي مركز أبحاث متشدد، وديفيد تننباوم من شركة «بلاكستون» للامتثال، لـ«فورتشن» إن الإجراءات ناجحة اقتصادياً، وإن أثرها في تغيير السياسة يبقى سؤالاً مفتوحاً.

خزانة واحدة وملفان بالأداة نفسها — One Treasury, two files on the same instrument
خزانة واحدة وملفان بالأداة نفسها — One Treasury, two files on the same instrument · Graphic: Times of Palestine

مصرفان إسرائيليان يقفلان القناة في أيلول#

لا يستطيع الجهاز المصرفي الفلسطيني أن يسوّي العملة التي يتعامل بها. فمنذ اتفاقات أوسلو، كُلّف مصرفان إسرائيليان، هما بنك ديسكونت وبنك هبوعليم، بمقاصّة معاملات الشيكل الفلسطينية، لأن البنوك الفلسطينية لا تملك منفذاً إلى نظام المدفوعات الإسرائيلي.

وقدّرت وكالة «رويترز» حجم ما يمرّ عبر المصرفين بـ51 مليار شيكل سنوياً، أي نحو 16.6 مليار دولار، وأفادت بأن قرابة 90 بالمئة من التجارة الفلسطينية، من الغذاء إلى الوقود والدواء، تعبر إسرائيل.

وقد أبلغ المصرفان نظراءهما بقرارهما. فأخطر ديسكونت البنوك الفلسطينية في تموز/يوليو بأنه يوقف الخدمة في الأول من أيلول/سبتمبر، ويتبعه هبوعليم في الأول من تشرين الأول/أكتوبر، وكلٌّ منهما يحتجّ بمخاطر تنفيذ هذه المعاملات من دون ترتيب قانوني دائم يحميه.

والترتيب المقصود هو خطاب إعفاء من المسؤولية توقّعه وزارة المالية الإسرائيلية، ويحمي المصرفين من الدعاوى إذا تبيّن لاحقاً أن حساباً فلسطينياً موّل جماعة مسلحة. وقد أصدر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش هذه الإعفاءات بفترات متناقصة طوال ولايته، والإعفاء الحالي ينتهي في 31 كانون الأول/ديسمبر.

وحذّر محافظ سلطة النقد الفلسطينية يحيى شنار في تصريح لـ«رويترز» من أن قطع العلاقة «قد تكون له عواقب عميقة، لا على الفلسطينيين وحدهم، بل على الإسرائيليين وعلى الاستقرار الإقليمي».

واشنطن طلبت.. والمواعيد لم تتغيّر#

سجلّ واشنطن في هذا الملف أطول مما يوحي به صمتها الحالي.

ففي تشرين الأول/أكتوبر 2024، استخدمت وزيرة الخزانة آنذاك جانيت يلين مؤتمراً صحفياً في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتطرح الأمر علناً. وقالت: «نتطلع إلى أن يمدّد مجلس الوزراء الإسرائيلي الإعفاءات للحفاظ على علاقات المراسلة المصرفية لبنوك الضفة الغربية»، رابطةً ذلك بالاستقرار الاقتصادي في الأرض المحتلة.

وورث بيسنت الملف وعالجه بعيداً عن الأضواء. إذ يفيد تقرير لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل» بأن دبلوماسيين أمريكيين أثاروا مسألة المراسلة المصرفية مع الحكومة الإسرائيلية مباشرة، محذّرين من أن دفع الاقتصاد الفلسطيني إلى التعامل النقدي يناقض منطق مكافحة غسل الأموال الذي تطبّقه واشنطن في كل مكان آخر.

وأثمر ذلك الضغط شيئاً. فقد مدّد سموتريتش الإعفاء حتى نهاية العام، أي إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول/أكتوبر، ورحّب متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية بالقرار هذا الشهر. لكنه لم يُثمر سحب المصرفين إخطاري إنهاء الخدمة، وهما التاريخان اللذان يحكمان الأمر فعلياً.

وسأل الكونغرس بدوره. ففي 16 أيلول/سبتمبر الماضي، وجّه أعضاء مجلس الشيوخ إليزابيث وارن وكريس كونز وبراين شاتس وجاك ريد وجين شاهين ومارك وارنر رسالة مشتركة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو وإلى بيسنت، طالبوا فيها الإدارة بأن «تضغط على الحكومة الإسرائيلية لوقف احتجاز أموال المقاصّة وتعطيل علاقات المراسلة المصرفية». ولم يصدر عن الخزانة ردّ علني.

العزل المالي كما يعيشه الفلسطينيون#

بالنسبة لقارئ في رام الله أو نابلس، العزل المالي ليس سياسة قيد النقاش، بل واقع قائم يصل عبر آليتين منفصلتين.

الأولى تتعلق بالمال الموجود أصلاً. فقد حسب الباحث محمد سمحوري، في دراسة نشرها «المركز العربي واشنطن دي سي» في شباط/فبراير، أن إسرائيل احتجزت نحو 4.5 مليارات دولار من أموال المقاصّة حتى نهاية العام الماضي، وهي رسوم جمركية وضريبة قيمة مضافة فلسطينية تجبيها إسرائيل في الموانئ وتدين بتحويلها بموجب بروتوكول باريس، وتشكّل ثلثي إيرادات السلطة.

وقدّر سمحوري إجمالي دين السلطة بنحو 14.6 مليار دولار، منها 2.5 مليار متأخرات رواتب لموظفيها و3.4 مليارات للبنوك الفلسطينية. والمبلغ الذي تحتجزه إسرائيل من الحجم نفسه تقريباً الذي يعدّه بيسنت إنجازاً لحصار بحري.

أما الآلية الثانية فتتعلق بقدرة المال على الحركة. ووصفت ميلاني روبنز من «المجلس الأطلسي»، في ورقة نشرتها في آذار/مارس، النتيجة بأنها «وضع عبثي» تحتفظ فيه بنوك الضفة بالنقد الورقي بينما تنضب أرصدتها الرقمية لدى المراسلين الإسرائيليين.

وغزة أبعد على هذا الطريق. فاقتصادها يقوم على النقد في معظمه، والقنوات غير الرسمية التي تنقله هي نفسها هدف للعقوبات: فحين صنّفت الخزانة الأمريكية شبكة تمويل لحماس في 23 تموز/يوليو، سمّت في بيانها شركة تحويل أموال في غزة بوصفها النقطة التي تحوّلت فيها العملات المشفرة إلى مال قابل للاستعمال.

هذه هي الحلقة المغلقة التي يعيش الفلسطينيون داخلها. القناة المصرفية الرسمية يُوقفها إخطار تجاري، والقناة غير الرسمية يوقفها قرار تصنيف، والوزارة التي تقرر في الحالتين هي التي تعلن اليوم قدرتها على عزل دولة عزلاً كاملاً.

النقاش الذي لم تفتحه واشنطن#

لم تُوصف الحزمة الإيرانية الموعودة الأسبوع المقبل علناً، ولم تقل الخزانة إن كانت ستطال بنوكاً في دول ثالثة تتولى مدفوعات إقليمية، وهو نوع الإجراءات الثانوية الذي دفع مسؤولي الامتثال في عمّان ورام الله تاريخياً إلى الحذر من الحسابات الفلسطينية قبل أن تفرض ذلك أي قاعدة.

ولم تقل الإدارة كذلك ماذا ستفعل إذا حلّ الأول من أيلول/سبتمبر والإخطاران قائمان. فالإعفاء الذي ساعدت واشنطن في تأمينه ينتهي في كانون الأول/ديسمبر، وقرارا المصرفين لا يتوقفان عليه، ولم يسمِّ أي مسؤول أمريكي علناً ثمناً يترتب على إسقاط خمسة ملايين إنسان من نظام الشيكل.

المسافة بين الملفين هي المسافة بين سياسة تفاخر بها واشنطن وأخرى ترفض مناقشتها. ففي الملف الإيراني يُعلَن العزل المالي على الهواء بوصفه أمضى أداة تملكها الولايات المتحدة. وفي الملف الفلسطيني تستخدم الأداة نفسها جهة أخرى، وموقف واشنطن أنها أثارت المسألة.

آخر الأخبار