من الميدان
«شباب الغد» تمدّ شريان حياتها من نابلس إلى عائلات غزة
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
على تلة خلّة العمود المطلّة على البلدة القديمة في نابلس، تثبت منظمة أميركية غير ربحية منذ ثمانية عشر عامًا فكرة بسيطة: أطفال المخيمات يستحقون البداية نفسها التي يحصل عليها أي طفل في العالم. إنها منظمة «شباب الغد» (Tomorrow's Youth Organization)، التي كبرت من مركز واحد حتى صارت شريان حياة يمتد اليوم إلى غزة.
أسّس المنظمة عام 2007 هاني حكمت المصري، رجل الأعمال الفلسطيني الأميركي المولود في نابلس، الذي بنى مسيرته في واشنطن ولم يفلت يد مدينته الأولى. وفي العام التالي افتتح مركز نابلس، الذي تصفه المنظمة بأنه أول منظمة أميركية غير ربحية تتخذ من المدينة مقرًا لها — لا مشروعًا زائرًا، بل جارًا له عنوان دائم.
ونال المصري البكالوريوس من جامعة فلوريدا والدراسات العليا من جامعة كولورادو، وعمل في السلك الدبلوماسي الأردني مديرًا لدائرة الأمم المتحدة في وزارة الخارجية ثم قنصلًا في السفارة الأردنية بواشنطن، وحصل على الجنسية الأميركية عام 1987. ويرأس اليوم شركة لإدارة الاستثمار في ولاية فرجينيا، كما يشغل منصب رئيس المنظمة إلى جانب كونه مؤسسها.
وللعنوان معناه. فمركز المنظمة يخدم أطفال وأمهات مخيمات بلاطة وعسكر وعين بيت الماء التي تطوّق نابلس وتحمل بعضًا من أشد جيوب الفقر كثافة في الضفة الغربية، إلى جانب أفقر أحياء البلدة القديمة. وقد عاشت العائلات التي يخدمها عقدين من الاقتحامات والإغلاقات والفقد.
ماذا يعلّم المركز#
تعمل البرامج في أربعة مسارات: التعليم المبكر، والصحة النفسية، وتمكين المرأة، وسبل عيش الشباب. يحصل أبناء الرابعة على صفوف فيها فن وموسيقى ولعب — بداية قلّما نالها آباؤهم. ويتدرب طلاب الجامعات متطوعين ومترجمين، ويتعلم الخريجون الشباب المهارات التي تفتح باب أول وظيفة.
ويرسل برنامج الصحة النفسية، الذي يرعاه صندوق قطر للتنمية، مرشدين اجتماعيين إلى صفوف المركز وإلى بيوت العائلات — دعم نفسي اجتماعي يصل إلى حيث يعيش الأطفال فعلًا، في مدينة يطرق الخوف أبوابها مع كل اقتحام.
أما مسار تمكين المرأة فيتعامل مع الأمهات بوصفهن محرّك المجتمع لا هامشه: محو أمية، ولياقة، وريادة أعمال، وتدريب تجاري ساعد نساء من المخيمات على افتتاح مشاريعهن الخاصة وتنميتها. وعلى مرّ السنين دعم المنظمةَ أسماء مثل شيري بلير وكوينسي جونز وبيل كلينتون.
ماذا اشترى هذا المال#
أطول شراكات المنظمة هي مع صندوق قطر للتنمية، وبدأت عام 2017. وخلال السنوات الثماني التي تلت، ووفق أرقام تنشرها المنظمة، ضخّ الصندوق أكثر من ثمانية ملايين دولار في مركز نابلس، وتفصّل المنظمة ما أنتجه هذا المال بدل الاكتفاء بالمجموع.
- 13,052 طفلًا ويافعًا في برامج التطور الأكاديمي والتعلّم الاجتماعي والعاطفي
- 4,807 أشخاص تلقّوا إعادة تأهيل منزلية وعلاجًا نفسيًا وخدمة اجتماعية وإدارة حالة
- 2,000 امرأة في برامج التمكين
- 1,785 من مقدّمي الرعاية والمعلمين تدرّبوا على الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي
- 1,776 شابًا وشابة عزّزوا جاهزيتهم للعمل وحصلوا على وظائف مستدامة
- 1,553 شابًا وشابة تدرّبوا على التوظيف وريادة الأعمال
- 109 مشاريع يقودها شباب ونساء مُوّلت بمنح تصل إلى 15 ألف دولار للمشروع
- 46 منحة جامعية لأربع سنوات
وتحصي المنظمة أكثر من 27 ألف طفل وشاب وامرأة استفادوا مباشرة، وأكثر من 135 ألف شخص طالهم الأثر. ونشر هذا التفصيل نفسه أمر غير شائع بين العاملين في فلسطين، وهو ما يجعل كتابة تقرير كهذا ممكنة.
ماذا تقول الميزانيات#
لأن «شباب الغد» منظمة أميركية غير ربحية مسجّلة تحت البند 501(c)(3)، فحساباتها علنية. وتُظهر خمسة عشر عامًا من إقراراتها الضريبية، المسجّلة برقم التعريف 26-1409007، أنها أنفقت 13.3 مليون دولار منذ 2010 مقابل 15.4 مليون دولار جمعتها.
والنمط في هذه الإقرارات هو أوضح دليل على ما غيّرته الحرب. فإيرادات المنظمة تصل على شكل دفعات متباعدة — 3.67 ملايين دولار عام 2017، وهو عام انطلاق الشراكة القطرية، و3.91 ملايين عام 2022 — بينما ظل إنفاقها قريبًا من 600 إلى 900 ألف دولار سنويًا معظم العقد.
ثم تضاعف تقريبًا. أنفقت المنظمة 1.85 مليون دولار عام 2023 و2.03 مليون عام 2024، مقابل 2.6 مليون جمعتها في العامين معًا. وأدارت العجز عن قصد، فخفضت احتياطياتها من 3.78 ملايين دولار نهاية 2022 إلى 2.7 مليون نهاية 2024، أي أنها ضخّت أكثر من مليون دولار من رصيدها الخاص في الاستجابة الطارئة.
وهذا هو الغرض من الاحتياطيات، واختيار إنفاقها في أصعب عامين تمرّ بهما الضفة الغربية حديثًا قرار يستحق التسجيل لا التمرير. لكنه أيضًا غير قابل للتكرار إلى ما لا نهاية: فبوتيرة 2024، ينفد المال ما لم ترتفع الإيرادات لتلاقيه.
ويحسم إقرار 2024 السؤال الذي يطرحه المتبرعون أولًا. فالقسم التاسع منه يوزّع الـ2,026,997 دولارًا على ثلاثة أبواب: 1,874,309 دولارات للبرامج، و134,218 للإدارة العامة، و18,470 لجمع التبرعات. أي 92.5 في المئة على البرامج مقابل 6.6 في المئة على الإدارة وأقل من واحد في المئة على جمع التبرعات، وهي نسبة تفوق بوضوح عتبة الـ75 في المئة التي تعتمدها جهات تقييم الجمعيات معيارًا لحسن الإدارة.
أما الملحق «واو» فيجيب عن السؤال الأدقّ: أين أُنفق المال فعليًا. تُبلّغ المنظمة عن مكتب واحد و40 موظفًا ووكيلًا ومتعاقدًا في المنطقة، وعن 1,560,646 دولارًا أُنفقت هناك على تعليم الطفولة المبكرة وتنمية الشباب والنهوض بالمرأة في فلسطين. أي 77 في المئة من كل ما أنفقته المنظمة ذلك العام، و83 في المئة من موازنة برامجها، نزلت في فلسطين لا في فرجينيا.
وتقرأ بنود الصرف كما يقرأ العمل نفسه: 227,363 دولارًا على التدريب المهني، و118,885 على نقل الأطفال إلى الصفوف، و40,978 على الغذاء والملبس.
وتقاضى المدير التنفيذي رفول سعادة 140 ألف دولار. أما المصري، المسجّل في الإقرار رئيسًا ومديرًا تنفيذيًا، فلم يتقاضَ شيئًا؛ إذ يرد تعويضه صفرًا، وكذلك تعويض أمينة الصندوق. ويمنح موقع «تشاريتي نافيغيتور» المنظمة تقييم 91 في المئة وأربع نجوم، ويسجّل أن بياناتها المالية يراجعها محاسب مستقل.
سنوات الحرب#
منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وجّهت المنظمة نموذجها الجواري نحو الإغاثة الطارئة. فحملتها «شريان حياة لفلسطين» تقدّم الأمن الغذائي والدعم النفسي وترميم البيوت، وتمتد إلى ما بعد نابلس لتصل عائلات في غزة، مع تعهد المنظمة بأن كل دولار يتبرع به المانحون يصل مباشرة إلى مستحقيه.
منذ تشرين الأول الماضي ضاعفت «شباب الغد» جهودها لتخفيف المشقّات وتقديم الإغاثة الفورية للعائلات المحتاجة ومن هم في أوضاع حرجة.
منظمة «شباب الغد»، حملة «شريان حياة لفلسطين»
هذا التوسع يروي قصة اللحظة: مؤسسة بُنيت بصبر لأطفال مدينة واحدة، تحمل اليوم ثقلًا يتجاوزها بكثير. وما زال المركز فوق التلة يفتح أبوابه كل صباح في خلّة العمود، فيما يبدو رهان مؤسسه — أن الاستثمار في السنوات الأولى من عمر الطفل الفلسطيني هو أضمن أعمال التنمية — أصدق من أي وقت مضى.
وقد صاغ المصري، الذي نشأ إلى جوار المخيمات التي يخدمها مركزه اليوم، رسالة المنظمة منذ البداية بمنطق الأجيال: ابنوا المجتمع المعافى أولًا، وسيبني شبابُ الغد ما تبقى. وبعد ثمانية عشر عامًا، صار أطفال الصف الأول متطوعين جامعيين يعلّمون من جاء بعدهم.

