الشتات الفلسطيني
متطوعون في المكسيك ينجحون في إخراج 18 فلسطينياً من غزة
.jpg?width=640)
حقوق الصورة: Street market, Colonia Narvarte, Mexico City — Adam Jones via Wikimedia Commons (CC BY-SA 2.0) · الترخيص
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
يبدأ الثلاثاء عند محمد عابد قبل الفجر. يحمّل الصواني، ويقطع مكسيكو سيتي إلى سوق مكشوفة في حي الكونديسا، حيث تُنصب المظلات في العتمة ويصل أول الزبائن مع أول الضوء.
ما يبيعه قائمة غزّية: حمص، ومتبّل، وفلافل، وشاورما، وكباب. ويوم الأحد سوق ثانية. زوجته تتعهّد الولائم الفلسطينية، وأخوه الأصغر فادي يدفع عربة خاصة به ينادي عليها بالفلافل على إيقاع الكومبيا، وهو مشهد رأت فيه صحيفة «إكسِلسيور» المكسيكية ما يستحق عنواناً.
عابد في السادسة والثلاثين، مهندس أنظمة، من جباليا شمالي قطاع غزة. وهو كذلك، وفق العدد الذي نشرته وكالة «رويترز» من أمام بسطته مطلع أكتوبر/تشرين الأول، واحد من نحو 160 فلسطينياً يعيشون في المكسيك كلها.
هذا الرقم هو مفتاح ما يأتي بعده. جالية تكفيها شوارع سوق واحدة أخرجت ثمانية عشر إنساناً من غزة، وفتحت بذلك أول طريق عملي إلى أكبر بلد ناطق بالإسبانية أمام فلسطينيين لا مكان آخر لهم.
الأب الذي قطع الطريق أولاً#
الباب كان موجوداً لأن كمال عابد عبره قبلهم. غادر جباليا إلى المكسيك عام 2009، بحسب رواية «رويترز»، بعدما دُمّر مصنع الرخام الذي تعيش منه العائلة، ثم نال الجنسية المكسيكية مع الوقت.
ولمّا اندلعت الحرب سافر إلى مصر ليسحب بقية أهله خلفه. لم يكمل الطريق: أوقفته نوبة قلبية، وأُعيد جثمانه إلى غزة ليُدفن فيها.
التقط ابنه شادي الملف من حيث تركه أبوه. قدّم الطلب إلى الخارجية المكسيكية وهو في القاهرة، ثم أمضى نحو عام وأربعة أشهر في زحام الأوراق القنصلية البطيء.
اعتذرت إحدى منظمات الهجرة عن الحالة، فتبنّتها العيادة القانونية للاجئين في جامعة إيبيرو أمريكانا، الجامعة اليسوعية في العاصمة.
وحول الملف تجمّعت جماعة. أسّست الناشطتان غابرييلا بيخارانو وعشتار مبارك مجموعة «من غزة إلى المكسيك» في يناير/كانون الثاني 2024 لغرض واحد معلن: إيصال عائلة عابد. والتحقت بها في ذلك الربيع مجموعات مناصرة لفلسطين في العاصمة، ودخلت على الخط وزارة شؤون النساء.
هبط الثمانية عشر في مطار بينيتو خواريز الدولي يوم 24 مايو/أيار 2025. وكانت صالة القادمين قد امتلأت منذ الواحدة فجراً.
موقع «رايتشالي» المكسيكي، الذي نشر شهادة الصحفي أرتورو كونتريراس كاميرو عن تلك الليلة، سجّل ما نطقت به ألما، إحدى أصغر البنات، بإسبانية طرية وهي تعبر البوابة: «شكراً، أيتها المكسيك، لأنكم ساعدتمونا على إنقاذ حياتنا».
منحت لجنة مساعدة اللاجئين المكسيكية الثمانية عشر جميعاً صفة اللجوء، ومنحهم معهد الهجرة إقامة دائمة.
«من لا تربطه صلة بالمكسيك ما كان ليستطيع التقدّم أصلاً إلى آلية اللجوء هذه»
عشتار مبارك، من مجموعة «من غزة إلى المكسيك»
الصلة ببلدٍ ما هي كل الفارق#
جملة مبارك هي الحقيقة البنيوية تحت الحكاية كلها، وهي سبب ضيق هذا الطريق لا اتساعه. الآلية التي أتاحت لآل عابد التقدّم مرّت من جنسية الأب المكسيكية. وعائلة في غزة لا قريب لها هاجر قبل جيل لا تجد مقبضاً كهذا تمسك به.
لذلك تزن جالية من 160 نفساً أضعاف حجمها. كل فلسطيني استقرّ في المكسيك قبل عقود هو باب محتمل، وعمل المتطوعين أن يعثروا على الباب ثم يثبتوا وجوده أمام قنصلية.
المنطق نفسه رسم ما يفعله القادمون الجدد. مدخول العائلة من الطعام: مهنة لا تنتظر معادلة شهادة هندسة، ولا اعترافاً بترخيص، ولا إسبانية أبعد من سعر. وحساب فادي على إنستغرام، @hijo.de.palestina أي «ابن فلسطين»، جمع نحو 48 ألف متابع، فيما دلّ موقع «سوبيتاس» قراءه على طلبات العائلة عبر واتساب ونقطة الاستلام في وسط تلالبان.
وفي أبريل/نيسان ملأت حملة «المقاطعة» في المكسيك حانة بولكي في بلدية كواوتيموك اسمها «لا خويا دي سانتا ماريا»، في سوق تضامنية شرابها البولكي وطعامها من مطبخ آل عابد — ترتيب استمر ثلاثة أشهر، كما ذكر موقع «سوموس إل ميديو»، وكان مورد رزق بقدر ما كان لفتة.
فقد عابد ابنته ذات الأربعة أعوام في غارة إسرائيلية قبل خروج العائلة. لكنه يتحدث عن الحاضر: ابنه الأصغر يوسف وُلد في مكسيكو سيتي في مايو/أيار، ومكسيكياً من الدقيقة الأولى، وهو اليوم يسعى لإخراج شقيقتيه من غزة.
وفي كلمة ألقاها بمقر لجنة حقوق الإنسان في العاصمة في أكتوبر/تشرين الأول، نقلتها مجلة «إل تشاموكو»، وصف بلدية تلالبان بأنها ولادة ثانية، وقال إن أكثر ما يؤلمه أن إسبانيته لم تبلغ بعد ما يكفي ليروي كل ما يريد روايته.
«لا أحب السياسة. أريد أن أعيش، مثل الناس كلهم، في سلام»
محمد عابد، من جباليا إلى مكسيكو سيتي
من طريق عائلة إلى ممر طبي#
الطريق الذي يُثبَت مرة يصلح لغير صاحبه. هذا العام حمل طفلين.
وسّعت منظمة «هيل فلسطين» الأميركية برنامجها «التعافي العالمي» إلى مكسيكو سيتي، ونقلت إليها عائلتين من غزة: ميرا، ست سنوات، احتاجت جراحة دماغية بعد إصابة في الرأس، ومعها أمها وشقيقتاها؛ ومعاذ، وكان في الرابعة عشرة حين وصل، فقد ساقه في قصف، ومعه أمه وأخته الرضيعة. وتصف المنظمة العملية بأنها أول إجلاء تنفّذه منذ تعليق الولايات المتحدة تأشيرات المرضى الفلسطينيين.
استقبلتهم نادية رشيد، سفيرة دولة فلسطين لدى المكسيك، في المطار. وخضع معاذ لتقييم في عيادة بالعاصمة، ورُكّب له طرف صناعي في مركز متخصص فيها، وعاد إلى أهله يمشي.
وفي الخامس من أكتوبر/تشرين الأول حملت السفيرة هذه الواقعة إلى مجلس الشيوخ المكسيكي. استقبلها إخينيو مارتينيز ميراندا، رئيس هيئة المجلس، وقال إن الفلسطينيين يملكون تضامن المكسيك كله؛ وأبلغت هي الشيوخ أن طفلين تلقّيا العلاج، وأن أحدهما غادر البلاد قبل أيام بساق تعيده إلى المشي واللعب.
طفلان رقم صغير، ولا أحد من أصحاب المبادرة ادّعى غير ذلك. وزنه يأتي مما يقف على الضفة الأخرى.
أحصى المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان 1134 طفلاً في غزة بُترت أطرافهم جرّاء الهجمات الإسرائيلية حتى التاسع من أكتوبر/تشرين الأول. وتسجّل أرقام منظمة الصحة العالمية بين سبتمبر/أيلول 2024 ومايو/أيار 2026 تقييم 2277 شخصاً من مبتوري الأطراف، وحصول 502 منهم على طرف صناعي. وفي القطاع كله ثمانية أخصائيين في الأطراف الصناعية والتقويم.
وحجّة المرصد أن العائق إداري لا جراحي: قيود الحركة التي تحرم الأطفال من التحويلات إلى الخارج، وتضييق إدخال المواد التي تُصنع منها الأطراف، والعراقيل أمام دخول المختصين لتدريب من بقي من الكوادر. والطرف الصناعي يحتاج إعادة تركيب كلما كبر الطفل، فالعلاج المقطوع يصير انقطاعاً دائماً.
أمام هذا كله، ممرٌّ عبر بلد فيه 160 فلسطينياً ليس حلاً، ولم يُعرض بوصفه حلاً. هو برهان على أن دولة إضافية تستقبل الأطفال، وتنجز الأوراق، وتدفع ثمن الساق — وهو البرهان الذي تحتاج كل وزارة تدرس السؤال نفسه أن تراه قائماً في مكان ما.
ومن صنعه في المكسيك نحو خمسة عشر متطوعاً، بحسب موقع «ميتو» اللاتيني الذي رافق الجالية في أكتوبر/تشرين الأول ووجدهم يسندون قرابة ثلاثين لاجئاً: مواعيد المستشفيات، ومعاينة الشقق، ودوائر الدولة، وفرص العمل، وفاتورة ولادة ابن عابد. وأدهم بكري، الفنان المصري الذي يترجم بين العربية والإسبانية، يسمّي نفسه مرساة ثقافية للمجموعة.
تضاعفت الجالية تقريباً منذ 2022، كما ذكر «ميتو»، أي أنها كبرت بنحو ثمانين إنساناً. في سانتياغو تُعدّ الجالية الفلسطينية بمئات الألوف. وفي مكسيكو سيتي تُعدّ بالأسماء، وكل اسم في القائمة بابٌ لأحد.





