سياسة ودبلوماسية
ترامب يطالب إيران بتعويض غزة.. والكونغرس لم يقرّ مليارات الإعمار

حقوق الصورة: United States Institute of Peace, Washington — G. Edward Johnson / Wikimedia Commons, CC BY 4.0 · الترخيص
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
أجابت واشنطن هذا الأسبوع عن السؤال الذي يطرحه الغزيّون منذ أن خفّ القصف: مَن يدفع كلفة إعادة بناء غزة؟ أمّا الجواب الذي قدّمه الرئيس الأميركي فكان: طهران.
كتب دونالد ترامب على حسابه في «تروث سوشال» يوم الاثنين أنّ «على إيران أن تكون مسؤولة أيضاً عن الأضرار والقتل الذي لحق بشعوب لبنان وسوريا واليمن وغزة»، وأضاف أنّه أوعز إلى مبعوثيه بأن «يضعوا هذا بحزم في أي مفاوضات مقبلة وفي جميعها». نقلت صحيفة تايمز أوف إزرائيل المنشور، ثم تناولته وكالة فرانس برس في اليوم التالي.
جاء هذا المطلب رداً على مطلب إيراني سابق؛ فطهران تشترط لأي تسوية للحرب التي بدأت في نهاية شباط/فبراير أن تدفع الولايات المتحدة تعويضات حرب، وأن ترفع الحصار البحري عن مرافئها وتُنهي العقوبات المفروضة على قطاع نفطها.
وفي حديثه إلى الصحفيين بعد يوم واحد، عرض ترامب المسألة كأنها مناورة تفاوضية، إذ قال في تصريحات نقلتها قناة الجزيرة: «طلبوا تعويضات، إن شئت القول. طلبوا مالاً مقابل الضرر الذي أحدثناه. قلت إنّها فكرة جيدة. حسناً، سنطلب نحن مالاً مقابل الضرر الذي أحدثوه على مدى خمسين عاماً».
وطالب أيضاً بتعويض عائلات 17 بحّاراً أميركياً قتلهم الهجوم على المدمّرة «يو إس إس كول» قبالة اليمن في تشرين الأول/أكتوبر 2000، وتحدّث عن مدفوعات لعائلات المتظاهرين الإيرانيين الذين قتلتهم سلطات بلادهم. ووصف تشارلز كوبتشان، المساعد الخاص السابق للرئيس باراك أوباما، هذا الكلام بأنه «مجرّد مساومة لفظية» في تصريح للجزيرة.
تبقى العبارة الأهمّ لقارئ في غزة هي تلك التي ذكرت غزة بالاسم. فالدمار هناك أحدثه القصف الإسرائيلي، ولمسألة التعويض جوابٌ قانوني قائم لا تستند إليه الدبلوماسية الأميركية.
فقد قضت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 بأنّ إسرائيل ملزمة بجبر كامل للضرر الذي أحدثته أفعالها غير المشروعة دولياً، لكل المتضررين في الأرض الفلسطينية المحتلة. هذا الرأي خارج ملف التفاوض تماماً.
عشرة مليارات لم يقرّها الكونغرس#
لإعمار غزة سعرٌ أميركي أُعلن بالضجيج، ولم تصرفه بعد الجهة التي تملك المال في واشنطن.
تعهّد ترامب بعشرة مليارات دولار في الاجتماع التأسيسي لـ«مجلس السلام» الخاص بغزة في 19 شباط/فبراير، الذي انعقد في مقر معهد الولايات المتحدة للسلام في واشنطن. وتعهّدت تسع حكومات أخرى — بينها السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين والمغرب وأذربيجان وكازاخستان — بسبعة مليارات مجتمعة، وأضاف الاتحاد الدولي لكرة القدم 75 مليون دولار للمرافق الرياضية.
في المقابل، تقدّر الأمم المتحدة والبنك الدولي احتياجات غزة للإغاثة والإنعاش وإعادة البناء بنحو 70 مليار دولار.
لم تتحوّل التعهدات إلى مال بالطريق المعتاد. فقد كتبت زها حسن، الباحثة البارزة في برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة كارنيغي، والباحث تشارلز جونسون، في دراسة نُشرت في آذار/مارس، أنّ مجلس الشيوخ لم يصادق على ميثاق مجلس السلام كمعاهدة، وأنّ الكونغرس لم يجزْ أصلاً مشاركة الولايات المتحدة في هذا الجسم.
وأنشأ البنك الدولي صندوقاً وسيطاً للتمويل باسم صندوق إعمار غزة وتطويرها، لكنه — كما لاحظ الباحثان — يعمل بصفة أمين محدود الصلاحية، «بلا أي مسؤولية أو مساءلة، ائتمانية أو غيرها، عن استخدام الأموال بعد تحويلها». وقالت السعودية والكويت إنّ ما تعهّدتا به يُدفع على سنوات، لا دفعة واحدة.
تحرّك المال الأميركي فعلاً، لكن من غير طريق الاعتمادات. فقد كشف موقع «سيمافور» في آذار/مارس أنّ وزارة الخارجية حوّلت 1.25 مليار دولار إلى مجلس السلام من حسابات مخصّصة لأغراض أخرى: مليار من مساعدات الكوارث الدولية، و200 مليون من عمليات حفظ السلام، و50 مليوناً من بند المنظمات والبرامج الدولية. وكانت الإدارة قد صنّفت المجلس في كانون الثاني/يناير «منظمة دولية عامة»، وهي صفة تمنحه حصانات وامتيازات قانونية.
وتقدّم السيناتور مارك كيلي عن أريزونا في نيسان/أبريل بمشروع قانون لوقف هذه التحويلات، وقال: «يأخذ ترامب أكثر من مليار دولار من أموال الضرائب مخصّصة للإغاثة من الكوارث وحفظ السلام — أي لأمور تجعل الأميركيين أكثر أمناً فعلاً — ويستخدمها في مشروعه الشخصي بلا أي مساءلة». ويحظر مشروعه تمويل المجلس من دون إجازة مستقلة من الكونغرس، ويجرّده من امتيازاته وحصاناته، ويُلزم الخارجية بتقرير عمّا حقّقه المال في غزة.
أمّا السيناتور جين شاهين، كبيرة الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية، فوجّهت في حزيران/يونيو رسالة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو قالت فيها إنّ «الكونغرس بقي في العتمة إلى حدّ بعيد بشأن عمل المجلس، في حين سعت الإدارة إلى تحويل عشرات ملايين الدولارات الأميركية».
وأضافت شاهين أنّ الوزارة عجزت عن الإجابة عن أسئلة أساسية — منها ما إذا كان يجوز استخدام أموال أميركية لتعويض ترامب نفسه، وهو رئيس المجلس — وأنّ المجلس لم يضع بعد قواعد للرقابة على المال ومتابعته.
من حيث بدأ الإعمار فعلاً#
بينما ينتظر الاعتماد المالي في الكونغرس، بدأ مشروع إعمار واحد على الأرض، وموقعه يقول للفلسطينيين أكثر مما تقوله التعهدات.
أفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بأنّ بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس أقرّا بهدوء أعمال بنية تحتية في «رفح الخضراء»، شرق رفح، لإقامة مشروع سكني لفلسطينيين خارج سيطرة حماس. وتقع المنطقة داخل «الخط الأصفر» الذي يفصل ما يسيطر عليه الجيش الإسرائيلي عن المناطق المسموح للفلسطينيين بالتحرك فيها.
وردّ مكتب نتنياهو على الإذاعة بأنّ التقرير «يشوّه الحقائق ويعيد نشر معلومات قديمة»، ووصف المشروع بأنه مبادرة إماراتية تجريبية قائمة منذ أشهر، وأضاف أنّ أعمال الكهرباء والصرف الصحي والمياه «لن ينفّذها متعهّدون من غزة، بل ستكون تحت إشراف الجيش الإسرائيلي».
هذا التسلسل — سكنٌ يُبنى بإشراف عسكري داخل خط الجيش، قبل أي خطة مموّلة لبقية القطاع — هو ما حذّرت منه زها حسن في دراسة ثانية نشرتها كارنيغي في 30 تموز/يوليو. فقد قرأت ثلاث خطط تطوير تدور في فلك المجلس، وكتبت أنّ الأسر الفلسطينية ستُترك أمام «خيار مستحيل: الانتظار سنوات طويلة في المجمّع المؤقت، أو القبول بإعادة التوطين في الخارج».
أمّا الوقائع المادية خلف هذا التحذير فلا خلاف عليها: نحو 68 مليون طن من الركام تغطّي القطاع، وتسعة من كل عشرة من سكانه يقيمون في خيام أو مآوٍ مؤقتة، وثلثا الأرض ملكية خاصة، ومكاتب السجل العقاري دمّرها القصف. وتنتهي ولاية المجلس الممنوحة من مجلس الأمن في 31 كانون الأول/ديسمبر 2027.
للضفة حسابها الخاص#
المال الفلسطيني الموجود أصلاً يحظى في واشنطن باهتمام أقل من المليارات الموعودة.
أبلغ رامز الأكبروف، نائب المنسّق الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، مجلس الأمن يوم الثلاثاء أنّ إسرائيل تحتجز نحو ستة مليارات دولار من أموال المقاصّة التي تجمعها لحساب السلطة الفلسطينية، فبقيت السلطة عاجزة عن دفع الرواتب كاملة، مع أزمة تلوح في أفق تحويلات الشيكل مع أول أيلول/سبتمبر.
وأحصى الأكبروف 76 فلسطينياً قتلتهم قوات إسرائيلية أو مستوطنون في الضفة المحتلة منذ بداية العام، بينهم 18 طفلاً، وسجّل مقتل ثلاثة إسرائيليين في الفترة نفسها. وشرّد العنف الاستيطاني والهدم والإخلاء 3800 فلسطيني هذا العام، نصفهم تقريباً أطفال.
وتتسارع المصادقات الاستيطانية بالتوازي: نحو 12360 وحدة استيطانية دُفعت قدماً منذ كانون الثاني/يناير، منها 7200 في المنطقة (ج) و5160 في القدس الشرقية، إلى جانب 431 مليون دولار خصّصتها إسرائيل في 14 تموز/يوليو لبناء 34 مستوطنة جديدة. وسجّل الأكبروف أول استيلاء على أرض خاصة في المنطقة (أ) لشقّ طريق استيطاني قرب قباطية.
الحرب التي تريد واشنطن إغلاقها#
يتحدث الرئيس الأميركي عن الفواتير بدل المعارك لأنه يسعى إلى إنهاء الحرب مع إيران قبل أن يقترع الأميركيون في تشرين الثاني/نوفمبر.
أعلنت القيادة المركزية الأميركية يوم الثلاثاء أنّ مروحية تابعة للبحرية أطلقت صاروخي «هيلفاير» على غرفة محركات سفينة الشحن «فيلا نوفا» الباناميّة في خليج عُمان بعد أن تجاهل طاقمها تحذيرات بتغيير مساره، فعطّلتها. وهي ثالثة سفينة تعطّلها القيادة منذ إعادة فرض الحصار على المرافئ الإيرانية في 14 تموز/يوليو، وقالت إنها حوّلت مسار 55 سفينة تجارية واعتلت اثنتين، وإنّ الحصار «مُنفَّذ بالكامل».
تتقدّم الدبلوماسية أبطأ من البحرية. فقد قال مسؤول إيراني رفيع لوكالة رويترز، في كلام نشره موقع «المونيتور» يوم الأربعاء، إنّ لا شيء يُمدَّد لأنّ «المدّة لم تبدأ أصلاً من وجهة نظر إيران» — إذ انهارت مذكرة التفاهم المؤقتة ذات النقاط الأربع عشرة الموقّعة في حزيران/يونيو حين أعلن ترامب انتهاءها في السابع من تموز/يوليو — وأضاف أنه «لم يُحرز أي تقدّم على الإطلاق» في مسألة عودة واشنطن إليها.
باكستان هي القناة اليوم. فقد التقى وزير داخليتها محسن رضا نقوي الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقچي في طهران هذا الأسبوع، ونقلت صحيفة «ذي ناشيونال» أنّ أمام إسلام آباد حتى 16 آب/أغسطس لتحويل اتصالاتها مع واشنطن وطهران ومسقط والدوحة إلى اتفاق على مضيق هرمز يعيد إحياء شروط حزيران/يونيو.
وفي الملف الإقليمي الآخر، وصف متحدث باسم الخارجية الأميركية محادثات إسرائيل ولبنان في روما بأنها بنّاءة، وقال إنّ الجولة التقنية المقبلة ستُعقد مطلع أيلول/سبتمبر، وإنّ «اتجاه المسار يبقى إيجابياً، ولا أحد يتلكّأ في التنفيذ».
لم يصدر تصريح أميركي مماثل عن المصادقات الاستيطانية ولا عن أموال المقاصّة المحتجزة. ولم تنشر الإدارة أي جرد لما أنفقه مجلس السلام أو لأماكن إنفاقه، ولم تتلقَّ أسئلة شاهين جواباً علنياً من الخارجية، ولم يضع مطلبُ ترامب من طهران ولا تعهُّدُه بعشرة مليارات دولاراً واحداً في يد أسرة ترفع الركام في غزة.

%20(cropped).jpg?width=640)

