أبحاث وتحقيقات
المستوطنون ينصبون الخيام أمام بيوت الفلسطينيين لتفريغ قراهم
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
نصب المستوطنون خيمتهم في التاسع من آب/أغسطس، على بعد أمتار من جدران ثلاثة منازل فلسطينية على تلة رأس العين المطلّة على بلدة قصرة جنوبي نابلس. وبعد ثلاثة أسابيع، بحسب صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، لم تكن العائلات المحاصرة في الداخل قادرة على الخروج إلا بالتنسيق مع الجنود.
ما جرى في رأس العين ليس حادثاً منفرداً. ففي تقرير نشرته في 20 آب/أغسطس، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إن عنف المستوطنين هجّر كلياً أو جزئياً 107 تجمعات فلسطينية يقطنها 5900 شخص منذ كانون الثاني/يناير 2023، استناداً إلى أبحاث مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).
وأضافت المنظمة أن المستوطنين المسؤولين عن الاعتداءات يعملون بدعم مالي ومادي وقانوني من الدولة الإسرائيلية، وأن الهجمات تقع في كثير من الأحيان بالتزامن مع وجود وحدات من الجيش أو بحضور جنود يقفون على مقربة.
غير أن الأرقام المنشورة هذا العام لا تتطابق. فمنظمة العفو الدولية، التي أطلقت تقريرها المؤلف من 149 صفحة في برلين في العاشر من حزيران/يونيو، أوردت أرقاماً لأوتشا تتحدث عن 117 تجمعاً يواجه تهجيراً كلياً أو جزئياً بين كانون الثاني/يناير 2023 ونيسان/أبريل 2026، وعن 5910 أشخاص على الأقل هُجّروا قسراً حتى نهاية نيسان/أبريل. ولا يشرح أي من الملخصين المنشورين سبب الفارق بين المجموعين.
أما تسلسل الأحداث في قصرة فموثّق في بيان صدر عن الأمم المتحدة في آب/أغسطس. ويسجّل البيان أن مستوطنين من بؤرة استيطانية في منطقة رأس العين قطعوا في تموز/يوليو إمدادات المياه والكهرباء عن ثلاثة منازل فلسطينية مجاورة، وأنهم في التاسع من آب/أغسطس أغلقوا جميع البوابات والمداخل المؤدية إلى تلك المنازل ونصبوا خيمة بينها، وأن ثلاث أسر تضم نحو 15 شخصاً، بينهم طفلان على الأقل، حوصرت في الداخل.
وتؤرّخ الموسوعة العربية لقناة «الجزيرة»، في مادة نشرتها في 21 آب/أغسطس، أولى اقتحامات المستوطنين لتلة رأس العين بكانون الثاني/يناير 2026، إذ سيطر المستوطنون على نبع الماء قبل نصب الخيمة في الثامن من آب/أغسطس. ويروي سكان تحدثوا إلى موقع «مونديويس» عن سبعة أشهر من الاعتداءات الليلية: باب مخزن اقتُلع، وأدوات زراعية أُتلفت، وسياج أُزيل، وحجارة رُشقت بها المنازل. وتبقى هذه الروايات شهادات للسكان، ولم تخضع لأي تحقيق منشور.
موقف الجيش الإسرائيلي مثبت في السجل، لكنه لم يطابق سلوكه في الميدان. ففي 11 آب/أغسطس أصدر الجيش بياناً وصف فيه إقامة بؤر استيطانية داخل القرى الفلسطينية بأنها «غير قانونية ومشينة وغير مقبولة»، فيما أفادت «تايمز أوف إسرائيل» في اليوم ذاته بأنه لم يفكك تلك البؤر، ولم يوضح لماذا صلّى جنوده مع المدنيين المتورطين.
وفي ليل 13 آب/أغسطس، ووفق ما نقل موقع «JNS» عن الناطق باسم الجيش، أخلت القوات المخيم وحظيرة أغنام إلى جوار قصرة، وأعلنت المنطقة منطقة عسكرية مغلقة. وكان للإعلان وجهان: فقد ذكرت «تايمز أوف إسرائيل»
أن قوات الأمن احتجزت عضو الكنيست عوفر كسيف وأبلغته أن المنطقة مغلقة، وأن مستوطنين صُوّروا في 28 آب/أغسطس وهم يتنقلون بحرية داخل المنطقة المغلقة نفسها، في حين ظلت العائلات محاصرة. وأضاف الموقع أن جنوداً تمركزوا عند مداخل المنازل وبقوا داخل أحدها، بعدما كان الجيش قد أعلن أن قواته لن تبقى في بيوت احتلتها.
أما الآلية القانونية التي تحوّل الوجود إلى ثبات فتسبق قصرة.
ففي ورقة حقائق أصدرها أوتشا عام 2022 عن مسافر يطا، ورد أن السلطات الإسرائيلية صنّفت جزءاً من جنوب الخليل «منطقة إطلاق نار 918»، أي منطقة عسكرية مغلقة، في ثمانينيات القرن الماضي، وأن محكمة العدل العليا قضت في الرابع من أيار/مايو 2022 بعدم وجود مانع قانوني يحول دون طرد السكان.
وتذكر الورقة نفسها أن نحو 20 بالمئة من الضفة الغربية مصنّفة مناطق إطلاق نار، وهو ما يطال أكثر من خمسة آلاف فلسطيني في 38 تجمعاً، وأن قريتي خربة سرورة والخروبة لم تعودا موجودتين.
وفي الأغوار، تكون الأداة البؤرة الاستيطانية لا منطقة إطلاق النار. وقد وثّقت «بتسيلم» في كانون الثاني/يناير 2018 أن أثر البؤر يتجاوز كثيراً مساحتها المبنية، إذ يجوب المستوطنون المنطقة على ظهور الخيل وبالمركبات الرباعية لطرد الرعاة من المراعي. وأوردت منظمة العفو الدولية في حزيران/يونيو أن حركة «السلام الآن»
أحصت 363 بؤرة استيطانية حتى نهاية نيسان/أبريل 2026، أُقيمت 212 منها منذ 2023، وأن أوتشا سجّل هدم 3407 منازل ومنشآت فلسطينية في المنطقة (ج) بين كانون الثاني/يناير 2023 ونيسان/أبريل 2026.
وتسجّل أرقام «بتسيلم»، التي نقلتها «هيومن رايتس ووتش»، تهجير تسعة تجمعات على الأقل في شمال الأغوار كلياً أو جزئياً بين السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 و31 كانون الأول/ديسمبر 2025، بما طال 435 شخصاً على الأقل. وذكرت «تايمز أوف إسرائيل»
أن جمعية حقوق المواطن في إسرائيل قدّمت في تموز/يوليو التماساً إلى المحكمة العليا أوردت فيه أحد عشر تجمعاً رعوياً في شمال الأغوار أُفرغ من سكانه خلال عامي 2025 و2026، ودفعت بأن تجمعات قائمة منذ عقود يجب أن تُصان من التهجير حتى من دون تراخيص بناء إسرائيلية.
تبقى الملاحقة القضائية الحلقة الأضعف في السلسلة. فقد أظهرت ورقة بيانات نشرتها منظمة «يش دين»
في شباط/فبراير أن 93.6 بالمئة من ملفات التحقيق الشرطية التي تابعتها في جرائم ذات دوافع أيديولوجية ارتكبها إسرائيليون بحق فلسطينيين منذ 2005 أُغلقت من دون لائحة اتهام، وأن فشل الشرطة في التحقيق شكّل 82 بالمئة من أسباب الإغلاق، وأن 3 بالمئة من الملفات انتهت بإدانة.
وأحصت المنظمة نحو 30 حادثة عنف جماعي منظم بين 2023 وتشرين الثاني/نوفمبر 2025، أُبلغ عن حضور جنود أو شرطة في 16 منها.
الانتقاد الإسرائيلي جاء من داخل المنظومة أيضاً. فقد أفادت القناة 12 في 21 آب/أغسطس بأن قادة في الجيش يحذّرون القيادة السياسية من أن الضفة الغربية على مشارف تصعيد عنيف تغذّيه اعتداءات المستوطنين وتوسّع البؤر. وقال أحد قادة المستوطنين لوسائل إعلام إسرائيلية في 13 آب/أغسطس إن حصار قصرة «ليس أسلوبنا». أما السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي فوصف المستوطنين المحاصِرين للمنازل بأنهم «إرهابيون إسرائيليون».
وذكرت القناة 12 في 30 آب/أغسطس أن الشرطة تسعى إلى اعتقال مستوطنين شاركوا في أعمال الشغب في قصرة، وأن بعض المشتبه بهم يُعتقد أنهم متوارون عن الأنظار. ولم يُعلن حتى الآن عن أي لوائح اتهام. أما إن كانت الأرض التي قامت عليها الخيمة ستعود إلى أصحابها أم تُضاف إلى خريطة البؤر الاستيطانية، فأمر لم يُحسم بعد.


