أبحاث وتحقيقات
قبل مهلة سبتمبر.. بريطانيا تتجاهل عريضة فلسطينيين حول بلفور
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
لم تردّ الحكومة البريطانية علناً على عريضة قانونية من 400 صفحة تطالبها بالإقرار والاعتذار ودفع تعويضات عن سلوكها في فلسطين بين عامي 1917 و1948، فيما حدّد مقدّمو العريضة شهر أيلول/سبتمبر — الشهر المقبل — موعداً للانتقال إلى المحكمة العليا.
وكانت العريضة قد سُلّمت إلى مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت في الثامن من أيلول/سبتمبر 2025، إيذاناً بإطلاق حملة «بريطانيا مدينة لفلسطين». ونقل موقع «ميدل إيست آي» حينها أن العريضة من صياغة اثنين من مستشاري الملك، وسمّتهما صحيفة «ذا ناشيونال»: بن إمرسون وداني فريدمان، وذكرت أن الوثيقة تحاجّ بأن بريطانيا «تخلّفت على نحو غير قانوني»
عن الاعتراف بحق العرب في تقرير المصير، وأنها «افتقرت إلى السند القانوني السليم» لوعد بلفور ولصك الانتداب على فلسطين.
ويقول «مشروع بريطانيا فلسطين»، الداعم للحملة، إن أربعة عشر فلسطينياً يقفون خلف العريضة، وإن الوثيقة تتضمن سبعة مطالب موجّهة إلى الحكومة. أما تحليل نُشر في كانون الأول/ديسمبر 2025 على مدونة القانون الدولي «EJIL:Talk!» فقدّر عدد صفحاتها بـ424 صفحة، ووصفها بأنها مطالبة بالجبر سابقة على التقاضي.
وفي مقال رأي نشره «ميدل إيست آي» أواخر تموز/يوليو، كتب أحد المشاركين في إعداد العريضة أن عشرة أشهر مرّت على تقديمها دون أن ينبس مقر رئاسة الوزراء بكلمة. ولا يظهر في السجل العام أي ردّ حكومي على العريضة.
وتقوم النظرية القانونية للعريضة على نقطة أرشيفية دقيقة. فبحسب ما لخّصه تحليل «EJIL:Talk!»، تُظهر محاضر مجلس عصبة الأمم بتاريخ 29 أيلول/سبتمبر 1923 أن المجلس «أحاط علماً» بالموقف من صكوك الانتداب، ولم يمنح بريطانيا انتداباً على فلسطين.
وذهب أستاذ القانون الدولي الأميركي جون كويغلي، الذي شارك في تسليم العريضة، في مقال نشره عام 2023 في دورية «Cogent Arts & Humanities»، إلى أن العصبة «لم تكن تملك بموجب عهدها أي صلاحية لإضفاء أثر قانوني على صك الانتداب على فلسطين، ولا لمنح بريطانيا حق الحكم»، وأن بريطانيا لم تكتسب السيادة قط.
وقال كويغلي لـ«ميدل إيست آي» إن العريضة هي المرة الأولى التي تُساءل فيها بريطانيا عن وجودها غير القانوني في فلسطين.
ولم تقتصر الحجة القائلة إن بريطانيا انتهكت التزامات كانت تقع عليها فعلاً على العريضة وحدها. فقد رأى شعوان جبارين، مدير مؤسسة «الحق» الحقوقية الفلسطينية، وأستاذ القانون الدولي رالف وايلد، في مقال نشراه عام 2023 بموقع «مondoweiss»، أن وعد بلفور شكّل خرقاً لالتزامات بريطانيا القانونية بموجب عهد عصبة الأمم، وأن ذلك يؤسس لمطالبة فلسطينية بالتعويض.
غير أن الحجج المضادة ليست سياسية فحسب.
فالباحث القانوني فيكتور كتّان — الذي حضر بدوره تسليم العريضة — سلّم في كتابه الصادر عام 2009 «من التعايش إلى الغزو»، وفق ما عرضه مراجع الكتاب في «المجلة الأوروبية للقانون الدولي»، بأن عرب فلسطين عام 1917 لم يكن بوسعهم الاستناد استقلالاً إلى حق تقرير المصير، لأن تقرير المصير كان آنذاك «في أفضل الأحوال مبدأً سياسياً»؛ وتقوم حجته بدلاً من ذلك على المادة 22 من العهد وعلى «الأمانة المقدسة»
تجاه المجتمعات التي فُصلت عن الدولة العثمانية. وأحصى تحليل «EJIL:Talk!» ثلاثة مواقف أكاديمية متمايزة بشأن ما إذا كان الجبر مستحقاً اليوم، ووازن بين أعمال جيمس كروفورد ومالكولم شو من جهة وحجج العريضة من جهة أخرى.
أما ما يمكن لمحكمة بريطانية أن تفعله بكل ذلك فمسألة منفصلة عن مدى ثبوت الوقائع التاريخية. فالسابقتان الأقرب تشيران إلى اتجاهين متعاكسين، ولم تكن أي منهما مراجعة قضائية.
فدعاوى «الماو ماو» كانت دعاوى مسؤولية تقصيرية عادية، رفعها أمام المحكمة العليا عام 2009 خمسة كينيين اعتُقلوا خلال حالة الطوارئ، وفق محاضر «هانسارد» لبيان التسوية.
وفي السادس من حزيران/يونيو 2013، أبلغ وزير الخارجية آنذاك ويليام هيغ مجلس العموم أن الحكومة ستدفع تسوية ومصاريف بمجموع 19.9 مليون جنيه إسترليني تغطي 5228 مدّعياً، وأنها ستدعم إقامة نصب تذكاري في نيروبي. وأعرب هيغ عن «أسف صادق»، فيما تصف اللجنة الكينية لحقوق الإنسان ومكتب «لي داي»
للمحاماة الممثل للمدّعين — وروايتهما موثّقة لدى «جمعية الأنثروبولوجيا الثقافية» — النتيجة بأنها تضمنت بياناً اعتذارياً أُلقي في البرلمان، ويقدّران المبلغ بنحو 2600 جنيه إسترليني لكل مدّعٍ. وأشارت قراءة استعادية نشرها موقع «Lexology» إلى العامل الحاسم: سجلات استعمارية حُفظت بدقة بالغة، ثم أُعيد اكتشافها في هانسلوب بارك، ما أتاح محاكمة عادلة لوقائع مضى عليها عقود.
في المقابل، تكشف قضية جزر تشاغوس النتيجة المعاكسة. فحكم محكمة الاستئناف عام 2020 في قضيتي هوارو وبانكولت يسجّل أن دعوى التعويض التي رفعها سكان الجزر عام 2002 رُفضت على يد القاضي أوسلي في تشرين الأول/أكتوبر 2003 لسقوطها بالتقادم بموجب قانون التقادم لسنة 1980، ولكونها إساءة استعمال للإجراءات.
وخلص حكم 2003 إلى أن عمليات الترحيل نُفّذت بسند قانوني، وأنه لا وجود لفعل ضار اسمه «النفي غير المشروع». وفي عام 2012، أعلنت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عدم مقبولية طلب تقدّم به تشاغوسيون، على أساس أن من قبضوا التعويضات تنازلوا عن مطالبتهم.
ثم إن المراجعة القضائية تمرّ بمصفاة قبل أن تُنظر أصلاً. ففي قضية «بالستاين أكشن»، يسجّل حكم المحكمة الإدارية الصادر في شباط/فبراير 2026 أن الإذن مُنح في أربعة من ثمانية أسباب مثارة؛ ثم قضت محكمة الاستئناف في حزيران/يونيو بأن المحكمة العليا تجاوزت الحدود السليمة للمراجعة القضائية بإحلال تقديرها الخاص في مجال يتصل بالأمن القومي.
وتقبع مسألة الأرشيف تحت هذا كله. فبعد معركة قضائية، أقرّت وزارة الخارجية عام 2011 بأنها تحتفظ بـ1500 ملف عن كينيا في هانسلوب بارك، ثم اعترفت في نهاية المطاف بنحو 20 ألف ملف تغطي 37 إقليماً سابقاً، وفق ما نقله موقع «Vice». وذهبت دراسات نشرتها «مجلة التاريخ الإمبراطوري والكومنولثي»
إلى أن هذه الإفصاحات تطرح أسئلة بلا إجابات عن مكافحة التمرد البريطانية في فلسطين وقبرص وعدن والملايو. ووجدت دراسة نُشرت في المجلة نفسها العام الماضي 88 ألف ملف استعماري خاص بهونغ كونغ ما زالت في هانسلوب بارك، بعضها خاضع لمدة احتجاز تبلغ 50 عاماً.
أما عدد ملفات حقبة فلسطين التي لا تزال الوزارة تحتفظ بها، وبأي استثناءات، فلا يرد في أي رقم علني جرى الحصول عليه لأغراض هذا التقرير.
ولم تُفضِ المحاولات السابقة إلى شيء داخل بريطانيا. فقد أعلن وزير خارجية السلطة الفلسطينية رياض المالكي في قمة الجامعة العربية عام 2016 أن فلسطين ستقاضي بريطانيا بسبب الوعد، غير أن محللين قانونيين قالوا لصحيفة «غلف نيوز» إن حظوظ المسعى ضئيلة. وفي شباط/فبراير 2021، قضت محكمة البداية في نابلس ببطلان الوعد لمخالفته القواعد الآمرة، وطالبت باعتذار بريطاني، وهو حكم لا أثر له في القانون الإنجليزي.
ووقّع خمسة وأربعون نائباً وعضواً في مجلس اللوردات رسالة في آذار/مارس تطالب بالاعتذار، من بينهم ليلى موران ونادية ويتوم وكارلا دينيير، وفق «وكالة معاً». ولم تتضمن تلك الرسالة مطالبة بالتعويضات. أما هل تردّ الحكومة قبل انقضاء المهلة، وهل يكون أي رفض من النوع الذي توافق محكمة على بحثه، فمسألة تحسمها الأسابيع المقبلة.




%20(cropped).jpg?width=640)


