سياسة ودبلوماسية
إسرائيل تنتقي بديل جيشها في غزة.. وتأذن بمئتي جندي

حقوق الصورة: Members of the US House Armed Services Committee at the Civil-Military Coordination Center, Kiryat Gat — Sgt. Kathryn Skonning, 207th Public Affairs Detachment / US Army via DVIDS · الترخيص
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
جلس جاريد كوشنر أمام بنيامين نتنياهو في القدس الاثنين ليتفاوض على موعد خروج الجنود الإسرائيليين من غزة. أما السؤال الذي يقوم عليه التفاوض كله فهو من يدخل بدلاً منهم.
وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن كوشنر وصل إلى إسرائيل بعد ساعتين أمضاهما مع خليل الحية في مدينة العلمين على الساحل المصري الأحد، وبرفقته المبعوث ستيف ويتكوف ونيكولاي ملادينوف من مجلس السلام.
ونقلت الوكالة عن مصدر مطّلع على لقاء العلمين أن كوشنر طالب بـ«خطوات ملموسة قابلة للتحقق»، وقال للوفد إن غزة «لا يمكن أن تكون مصدر إرهاب لإسرائيل مرة أخرى».
تنتهي كل نسخ خريطة الطريق إلى المشهد ذاته: ينسحب الجيش الإسرائيلي وتتسلّم الأرض قوة استقرار دولية. وهذه القوة لا يزيد المصرَّح لهم بالدخول فيها اليوم على مئتي رجل.
القوة على الورق#
اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار 2803 في السابع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2025، فأقرّ مجلس السلام الذي يرأسه الرئيس دونالد ترامب وأجاز تشكيل القوة لعامين: دعم نزع السلاح، وتأمين حدود القطاع، وحماية المدنيين، وتدريب شرطة فلسطينية.
وتولّى قيادتها في كانون الثاني/يناير الجنرال جاسبر جيفرز، قائد القيادة المركزية للعمليات الخاصة الأميركية. وفي الاجتماع التأسيسي للمجلس بواشنطن في التاسع عشر من شباط/فبراير حدّد الحجم المطلوب: عشرون ألف جندي، ومعهم اثنا عشر ألف شرطي فلسطيني يُدرَّبون في مصر والأردن.
وبعد ثمانية أشهر من وقف إطلاق النار، ذكرت صحيفة جيروزاليم بوست في حزيران/يونيو أن حفنة من ضباط التخطيط المغاربة وصلوا، وأن أي دولة مساهمة لم تحدّد موعداً لنشر قواتها.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين خشيتهم أن تصير القوة «يونيفيل ثانية»، في إشارة إلى قوة الأمم المتحدة في جنوب لبنان التي تراقب خطاً دون أن تواجه أحداً.
ما أذنت به إسرائيل#
صوّت المجلس الوزاري المصغّر في السادس والعشرين من تموز/يوليو على السماح للقوة بالدخول. وأوردت صحيفة تايمز أوف إسرائيل حجم هذه الفتحة: نحو مئتي جندي من دول وصفها القرار بالصديقة.
أيّد وزير الخارجية جدعون ساعر القرار، وعارضه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. وكل دخول لاحق يحتاج موافقة شخصية من نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس وساعر.
وشرح مسؤول إسرائيلي ما لا يفعله القرار، قائلاً: «تتمسّك إسرائيل بأن الجيش سيواصل السيطرة على الخط الأصفر، ولن يكون هناك أي انسحاب إضافي إطلاقاً حتى تُنزع أسلحة حماس بالكامل».
ويسيطر الجيش الإسرائيلي على نحو 60% من قطاع غزة، بحسب أسوشيتد برس.
شرطان يحدّدان من يدخل#
في القرار نفسه معايير تحدّد أي جيش تطأ قدمه غزة، وإسرائيل وحدها من يطبّقها.
على الدولة المساهمة أن تكون مرتبطة باتفاق سلام رسمي مع إسرائيل، وألا تكون ماضية في أي تحرّك قانوني أو دبلوماسي ضد إسرائيل أو ضد مسؤوليها في المحافل الدولية.
والشرط الثاني يمسّ الملفات التي يعتمد عليها الفلسطينيون. فالدولة التي تنضم إلى دعوى جنوب أفريقيا بشأن الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، أو تدفع بمذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، تُخرج جنودها بنفسها من القوة التي يُفترض أن تحلّ محل الجيش الإسرائيلي.
ويُبعد الشرطان إندونيسيا وتركيا معاً. وذكرت تايمز أوف إسرائيل أن واشنطن أيّدت مشاركة البلدين، وأن إسرائيل عارضتها.
ولم يكن العرض الإندونيسي هامشياً، إذ تعهّد الرئيس برابوو سوبيانتو في اجتماع شباط/فبراير بواشنطن بثمانية آلاف جندي أو أكثر، وأسند جيفرز إلى جاكرتا نيابة قيادة القوة.
لكن هذا التعهّد كان قد وهن قبل ذلك، بحسب الصحيفة ذاتها، مع اتساع المعارضة الداخلية وشكوك جاكرتا في أن الخطة تتقدّم أصلاً.
والدولتان المستثناتان وقّعتا هذا الشهر بيان ثماني حكومات عربية وإسلامية حمّلت إسرائيل مسؤولية عرقلة خريطة الطريق. أي أن الشرط يُبعد عن غزة الحكومات الأكثر استعداداً لقول ذلك علناً.
وما بقي قليل. وقّع المغرب في الرباط في تموز/يوليو اتفاقاً بأربع مئة جندي، ويُنتظر أن يكون أول المنتشرين، وأقرّ برلمان أوغندا مساهمة في السادس من آب/أغسطس، وتعهّدت ألبانيا وكازاخستان وكوسوفو بوحدات، قُدِّرت وحدة كوسوفو منها بعشرين جندياً.
المركز الأميركي الذي يريد الكونغرس تثبيته#
في الوقت الذي تتعثّر فيه القوة، تُكتب القيادة الأميركية التي تعلوها في صلب القانون الأميركي.
افتُتح مركز التنسيق المدني العسكري في كريات غات بجنوب إسرائيل في تشرين الأول/أكتوبر 2025، بعد أيام من وقف إطلاق النار، ويديره الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية.
وتصف ورقة للمركز العربي في واشنطن كيف يتوزّع المبنى: طابق للمشروع الأميركي، وطابق لممثلي الدول المشاركة والمنظمات الإنسانية، وطابق ثالث للجيش الإسرائيلي. ويعمل فيه نحو مئتي عسكري أميركي إلى جانب أفراد من أكثر من عشرين دولة.
ولا طابق للفلسطينيين فيه ولا مكتب. دفع الاتحاد الأوروبي في اتجاه تمثيل فلسطيني هناك، والنقاشات تمضي من دونه، وهذا جوهر ما تقوله الورقة: الآلية التي بُنيت من أجل غزة تتعامل مع أهلها كموضوع لها لا كطرف فيها.
ويُجيز البند 925 من مشروع قانون الدفاع في مجلس الشيوخ للسنة المالية المقبلة (S.4784)، الذي أودعه السيناتور روجر ويكر في السادس عشر من حزيران/يونيو، لوزير الدفاع أن يُبقي هذا المركز عاملاً حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2027، بوصفه الجهة المنفّذة لخطة إنهاء الحرب.
وعلى الوزير أن يرفع إلى الكونغرس تقريراً قبل الأول من آذار/مارس 2027، ثم كل مئة وثمانين يوماً، عن ملاك المركز، والخسائر البشرية في المنطقة، وفاعلية قوة الاستقرار.
وقرأت منظمة «سياسة جديدة» في واشنطن، التي تطالب بمقاربة أميركية مختلفة للمنطقة، هذا البند فرأت فيه تثبيتاً للولايات المتحدة بوصفها ذراع التنفيذ الإسرائيلية.
الكونغرس يمدّد ما كاد يُغلق#
مستقبل المركز نفسه كان موضع شكّ هذا الربيع.
فقد ذكرت رويترز في مستهلّ أيار/مايو، نقلاً عن سبعة دبلوماسيين مطّلعين على عمله، أن المركز سيُغلق قريباً، وأن مهامه في تنسيق المساعدات ومراقبة وقف النار ستنتقل إلى قوة الاستقرار التي يقودها ضابط أميركي.
ونفى مجلس السلام ذلك، وقال إن التقرير غير صحيح وإن المركز «سيبقى حاسماً لمهمتنا».
وأياً كانت الرواية الصحيحة، فالانتقال الموصوف يصطدم بمشكلة ظاهرة: الجهة التي ستتسلّم تنسيق المساعدات ومراقبة وقف النار في غزة هي القوة نفسها التي لا يزيد المصرَّح لهم بالدخول فيها على مئتي رجل.
مشروع قانون لم يُقرّ#
أقرّت لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ المشروع بثمانية عشر صوتاً مقابل تسعة. وفي الرابع عشر من تموز/يوليو فشل المجلس في فتح النقاش عليه بخمسين صوتاً مقابل ستة وأربعين، ولم تسجّل دائرة أبحاث الكونغرس أي خطوة بعدها حتى الرابع والعشرين من الشهر.
وأقرّ مجلس النواب نسخته (H.R. 8800) في الثاني والعشرين من تموز/يوليو بـ216 صوتاً مقابل 212.
أما التعديل الذي أصاب جوهر قوة غزة فلم يُطرح للتصويت قط. أودعته النائبة ديليا راميريز من إلينوي في السابع عشر من حزيران/يونيو: لا مال للبنتاغون للمشاركة في قوة الاستقرار قبل أن يُصدر الكونغرس تفويضاً خاصاً، وفق قانون سلطات الحرب.
وخرج الكونغرس من واشنطن في آب/أغسطس وكل هذا معلّق.
رفح أول ما تطأه أقدام الجنود#
الجنود المئتان المصرَّح لهم موجّهون إلى منطقة إنسانية تجريبية في رفح، تنسحب منها القوات الإسرائيلية.
والفلسطينيون ليسوا على رأي واحد فيها. ذكرت صحيفة «ذا ناشيونال» أواخر تموز/يوليو أن إلياس النجار (38 عاماً)، الذي يقيم شرق خان يونس بين سيول الشتاء وحشرات الصيف، سينقل عائلته يوم تُفتح تحت إشراف دولي.
أما أدهم أبو حويشل (33 عاماً)، المهجَّر من جباليا، فقال للصحيفة إن الاعتراض على العنوان لا على المسكن: تُبنى هذه الأماكن حيث كانت بيوت الناس.
ولاية مجلس السلام ستنحصر في ما تسمّيه إسرائيل المدينة الإنسانية في رفح، وهذا تكريس لتفتيت غزة.
وسام عفيفة، محلل سياسي، لصحيفة «ذا ناشيونال»
والشقّ الشرطي أبعد شوطاً من الشقّ العسكري. قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن القاهرة ستدرّب خمسة آلاف شرطي لغزة، وقد أنجز أكثر من خمس مئة منهم الدورة الأولى.
وكتب الخبير الاقتصادي الفلسطيني محمد السمهوري للمركز العربي في واشنطن في الثالث عشر من آب/أغسطس أن من الصعب تصوّر نجاح أي من هذا، بحكم انعدام الثقة والخلل الهائل في موازين القوة العسكرية.
وقتلت القوات الإسرائيلية ما لا يقل عن 1262 فلسطينياً منذ بدء وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر، وقُتل خمسة جنود إسرائيليين في المدة ذاتها، وفق إحصاء أسوشيتد برس.
بالنسبة لعائلة في رفح، التسلسل ليس كلاماً مجرّداً. أول الجنود الذين سيأتون بدلاً من الجنود الإسرائيليين سيصلون من قائمة أقرّتها إسرائيل، إلى منطقة ترسمها إسرائيل، تحت قيادة أميركية داخل إسرائيل لا يجلس فيها فلسطيني واحد، والقانون الذي يُفترض أن يُبقي تلك القيادة عاملة عالق في قاعة مجلس شيوخ لا يقف فيها أحد هذا الشهر.



%20(cropped).jpg?width=640)

