سياسة ودبلوماسية
قبل وصول كوشنر.. مجلس السلام يشطب بند الانسحاب المتزامن

حقوق الصورة: Jared Kushner — Andrea Hanks / The White House, via Wikimedia Commons, public domain · الترخيص
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
وصل إلى إسرائيل نهاية هذا الأسبوع ثلاثة رجال يحملون خطة أميركية لإنهاء الحرب على غزة. لكن ما يحملونه لم يعد النص الذي وافق عليه الفلسطينيون.
ذكرت وكالة رويترز أن جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ونيكولاي ملادينوف الممثل الأعلى لغزة في مجلس السلام الذي يرأسه الرئيس دونالد ترامب، كانوا في طريقهم إلى إسرائيل الأحد لإنقاذ خريطة الطريق بعد أن رفضها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الأسبوع الماضي.
ومن هناك ينتقل الوفد إلى القاهرة، حيث يلتقي الوسطاء المصريين والقطريين والأتراك، ومعهم التكنوقراط الفلسطينيون الذين يُفترض أن يتسلّموا القطاع.
ونقلت صحيفة تايمز أوف إسرائيل الأحد أن حماس تسعى إلى لقاء ملادينوف ومسؤولين أميركيين خلال المحطة المصرية، فيما لم يقل أي طرف علناً حتى الآن أي نسخة من الخطة صارت على الطاولة.
البند الذي اختفى#
أُقرّت الخطة المكوّنة من 15 بنداً أواخر الشهر الماضي بين مجلس السلام وحماس. وأوردت رويترز شروطها: نزع سلاح الفصائل الفلسطينية في غزة «بصورة تدريجية ومتسلسلة ومحدّدة زمنياً»، وانسحاب القوات الإسرائيلية بالتوازي مع ذلك، وتسليم الأسلحة إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
كان هذا الاقتران هو جوهر الخطة بالنسبة للجانب الفلسطيني، إذ رُبط نزع السلاح بالانسحاب على مراحل، كل خطوة تشتري التي تليها. ولهذا وقّعت عليها فصائل ظلّت ترفضها شهوراً.
في الرابع من آب/أغسطس التقى ملادينوف نتنياهو في القدس الغربية، وبعد اللقاء أصدر مجلسه بياناً فكّ تلك العقدة، بحسب ما نقلت الجزيرة.
قال المجلس إن الانسحاب إلى ما وراء الخط الأصفر «لن يجري إلا بعد اكتمال نزع السلاح، وفق ما التزمت به حماس أمام الوسطاء» — السلاح الخفيف والثقيل والأنفاق معاً. هكذا تحوّل التزامن إلى تسلسل، وصار التسلسل باتجاه واحد.
لم يشترِ التنازل شيئاً. ففي اليوم التالي خاطب نتنياهو الإسرائيليين قائلاً إنه لم يوافق على شيء: «أرسلوا لنا مسودة. لم نوافق عليها. لم تكن مسودتنا. أعدنا إليهم ملاحظاتنا»، في تسجيل نقلته تايمز أوف إسرائيل.
وفي التاسع من آب/أغسطس رفض الخطة صراحةً، في تصريحات نقلتها هآرتس وشبكة سي إن إن وإذاعة إن بي آر. قال: «لن ينفّذ الجيش أي انسحاب قبل نزع سلاح حماس فعلياً»، وحدّد المقصود: «السلاح الثقيل، والأقل ثقلاً، والخفيف، كل السلاح، ونحن نتحدث عن نزع سلاح حقيقي لا وهمي».
تنازلت واشنطن أولاً، وتنازلت وحدها.
الخلاف كله على خريطة#
الخط الأصفر هو خط الفصل الذي أقرّه وقف إطلاق النار، وانسحبت إليه القوات الإسرائيلية في تشرين الأول/أكتوبر وبقيت عنده. وما شرقه تحت السيطرة الإسرائيلية، ما يجعل الجدل حول نزع السلاح جدلاً عملياً حول موعد تحرّك هذا الخط.
عند وقف إطلاق النار ترك الخط بيد إسرائيل نحو 53% من قطاع غزة. وبحلول حزيران/يونيو قدّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) منطقة الوصول المقيّد بـ64.9% — أي أن الخط تحرّك، في الاتجاه المعاكس، بينما كان التفاوض جارياً على التسلسل.
ثمن هذه المهلة يُحسب بالبشر. فحصيلة الجزيرة، نقلاً عن وزارة الصحة في غزة، بلغت 73389 شهيداً منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بينهم أكثر من 1260 منذ بدء وقف إطلاق النار. وقُضى السبت فلسطينيان اثنان وأصيب 14 آخرون في غارات.
فلسطينيون ينتظرون في القاهرة#
الجهة التي يُفترض أن تتسلّم السلاح لم يمضِ على تشكيلها عام واحد، ولم يسبق لها أن أدارت شيئاً.
تشكّلت اللجنة الوطنية لإدارة غزة في كانون الثاني/يناير بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 2803 الذي اعتمد مجلس السلام مشرفاً على إعادة إعمار القطاع. ويصف المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية لجنة من 16 إلى 17 تكنوقراطياً فلسطينياً من أبناء غزة، يقودها علي شعث، وتتوزع حقائبها من الطاقة إلى إدارة النفايات.
أما خط المسؤولية فيصعد إلى الخارج: اللجنة تتبع ملادينوف، وملادينوف يتبع مجلساً يرأسه رئيس الولايات المتحدة.
ورأت الباحثة يارا هواري، في ورقة لشبكة السياسات الفلسطينية «الشبكة» في كانون الثاني/يناير، أن هذا الترتيب يحوّل مسألة سياسية إلى مسألة إدارية، وكتبت أن «الأوضح في خطة ترامب لغزة هو غياب أي نقاش حول السيادة الفلسطينية».
وتناور حماس حول المشكلة نفسها من الجهة الأخرى. فقد توجّه رئيس مكتبها السياسي خليل الحية إلى القاهرة صباح الأحد للقاء رئيس المخابرات المصرية حسن رشاد، وأطلعه — بحسب مسؤول في الحركة تحدث للجزيرة — على الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار.
وقال باسم نعيم، عضو المكتب السياسي، إن الحركة تنتظر «ضغط الوسطاء والجانب الأميركي على نتنياهو» لتنفيذ خريطة الطريق. وفي هذه الجملة يختصر الموقف الفلسطيني كله: الخطة مقبولة، وواشنطن وحدها قادرة على إلزام إسرائيل بها.
القناة التي فتحتها واشنطن فعلاً#
ثمة ملف أثبتت فيه هذه الإدارة استعدادها لابتكار طريق يلتف على مفاوضات متعثرة، وهو ليس ملف غزة.
كشف موقع أكسيوس الأحد أن البيت الأبيض، بعدما استنتج أن المفاوضين الإيرانيين الرسميين يُنقض قرارهم في الداخل، فتح قناة خاصة مع الحرس الثوري. فحوالي العاشر من أيار/مايو اتصلت مديرة الاستخبارات الوطنية آنذاك تولسي غابارد بالزعيم الكردي نيجيرفان بارزاني — الذي عاش في إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية ويتقن الفارسية — طالبةً منه الوصول إلى قائد الحرس.
وفي الرابع عشر من أيار/مايو، وفق الرواية ذاتها، دخل مسؤول في الحرس الثوري مكتب بارزاني في أربيل حاملاً هاتفاً مشفّراً. وجاء صوت الجنرال أحمد وحيدي على الخط ليقول: «أنا أدعمهم بالكامل، وهذا موقف الحرس الثوري أيضاً. نفضّل حل هذه الأزمة عبر التفاوض». وبُحثت فكرة محادثات سرية في أربيل ثم أُسقطت لدواعٍ أمنية إيرانية.
أثمر ذلك المسار مذكرة التفاهم المكوّنة من 14 بنداً التي وُقّعت منتصف حزيران/يونيو، والتي تصفها مكتبة مجلس العموم البريطاني، في ورقة بحثية عن الحرب، بأنها فتحت نافذة ستين يوماً تشمل الملاحة في مضيق هرمز وبرنامجي إيران النووي والصاروخي والعقوبات. وانهارت المذكرة في تموز/يوليو، وعاد الحصار البحري.
أما المسار الاقتصادي فلم يتوقف يوماً. عاقبت الخزانة الأميركية هذا الشهر منصتين لتداول الأصول الرقمية وشبكة شركات واجهة، وقال وزيرها سكوت بيسنت في بيان الوزارة إن اعتماد إيران على هذه القنوات «دليل إضافي على أن الغضب الاقتصادي يؤتي ثماره».
لم يحظَ الجدول الزمني في غزة بمثل هذا الابتكار. فالمجلس عدّل نصه مرة، ولم يسمِّ حتى الآن تاريخاً يلتزم فيه الجيش الإسرائيلي بالوقوف خلف خط بعينه.
كلام سفير.. وما جاء بعده#
جاء أحد أقسى ما نطقت به واشنطن الأسبوع الماضي موجّهاً لا إلى عقدة غزة، بل إلى تلّة جنوب نابلس.
حاصر مستوطنون ثلاثة منازل في بلدة قصرة، بينها بيت لؤي ريدي، وهو فلسطيني يحمل الجنسية الأميركية، ورشقوها بالحجارة ومنعوا ساكنيها من الخروج فيما نفد الماء والطعام. ووصف السفير الأميركي مايك هاكابي، الحليف القديم للحركة الاستيطانية، ما جرى بأنه «عمل إرهابي مروّع يهدف إلى ترويع هذه العائلة ومضايقتها»، وقال إن السفارة تنسّق مع الجيش والشرطة الإسرائيليين.
اللغة كانت استثنائية، أما السياسة خلفها فلم تتبدّل: العقوبات على المستوطنين التي فرضتها الإدارة السابقة ما تزال ملغاة، ورسالة السيناتورين إليزابيث وارن وكريس فان هولن ومعهما ثمانية عشر زميلاً، التي طالبت وزير الخارجية ماركو روبيو بإعادتها، ما تزال بلا جواب.
وأبلغ مبعوث الأمم المتحدة مجلس الأمن في الحادي عشر من آب/أغسطس أن 76 فلسطينياً قُضوا في الضفة الغربية هذا العام حتى العاشر منه، بينهم 18 طفلاً.
بالنسبة لقارئ في مدينة غزة أو في رام الله، يختصر الأسبوع حقيقة واحدة عن الطريقة التي تنتهي بها هذه الحرب: النص الوحيد الذي وافق عليه الفلسطينيون عدّلته لمصلحة إسرائيل الجهة نفسها التي كتبته، قبل أن يهبط الوفد الحامل له، وسيُطلب من الوسطاء في القاهرة تسويق النسخة المعدّلة على من تلزمهم.

%20(cropped).jpg?width=640)