سياسة ودبلوماسية
واشنطن تدرج بالستاين أكشن ومسار بديل على قوائم الإرهاب

حقوق الصورة: The US Treasury Building and the Albert Gallatin statue, Washington DC, 2 September 2017 — Sealy j / Wikimedia Commons, CC BY-SA 4.0 · الترخيص
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
دخل اسمان جديدان يوم الأربعاء القائمة الأميركية نفسها التي تضم ممولي تنظيم القاعدة وصرّافي حزب الله. الاسمان لتنظيمين يعلنان أن غايتهما مناصرة فلسطين.
أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأميركية حركة «بالستاين أكشن» البريطانية، وحركة «مسار بديل» الفلسطينية العابرة للحدود، على قائمة «الإرهابيين العالميين المصنفين خصيصا». وأدرج معهما قياديين اثنين في «مسار بديل» بالاسم: زيد عبد الناصر المقيم في ألمانيا، ورواء الصغير المقيمة في البرازيل، إضافة إلى تجمع تقني إيطالي هو «أوتيستيتشي إنفنتاتي».
السند القانوني هو الأمر التنفيذي 13224 الذي وقّعه الرئيس جورج بوش الابن بعد أسابيع من هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، وتلاحق به واشنطن منذ ربع قرن من تتهمهم بالإرهاب.
الجديد هو العنوان. وضعت الخزانة قرارها تحت لافتة «شبكات الإرهاب اليساري المتطرف العنيف».
وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن «المتطرفين اليساريين وواجهاتهم ومن يمكّنهم عليهم أن يعلموا: سنستخدم كامل ثقل أدواتنا الاقتصادية».
القصة هنا ليست بريطانية ولا إيطالية بالنسبة لقارئ فلسطيني. القصة هي في أي درج أميركي صار العمل من أجل فلسطين محفوظا، وما الذي يخاطر به من يضع مالا في مظروف.
الخانة سبقت القرار#
جاء إدراج الأربعاء آخر حلقة في سلسلة بنتها واشنطن على مدى اثنين وعشرين شهرا، والسلسلة هي جوهر الخبر.
أصدر الرئيس دونالد ترامب «مذكرة الأمن القومي الرئاسية السابعة» في 25 سبتمبر/أيلول 2025، ووجّه فيها الأجهزة الاتحادية ضد ما سماه «العنف السياسي المنظّم». ويلفت الاتحاد الأميركي للحريات المدنية، وهو معارض للمذكرة، إلى أن السلوكيات التي تشملها تمتد إلى التعدي على الممتلكات وإتلافها ونشر بيانات الأشخاص، لا العنف ضد البشر وحده.
وفي 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 صنّفت وزارة الخارجية أربع مجموعات أوروبية: «أنتيفا أوست» في ألمانيا، و«الاتحاد الفوضوي غير الرسمي» و«الجبهة الثورية الدولية» في إيطاليا، و«العدالة البروليتارية المسلحة» و«الدفاع الذاتي الطبقي الثوري» في اليونان. كانت تلك أول مرة تطبق فيها واشنطن تصنيف الإرهاب على تنظيمات مرتبطة بالنشاط المناهض للفاشية خارج حدودها.
ثم انتقلت الخانة إلى العقيدة الرسمية. نشر البيت الأبيض «إستراتيجية مكافحة الإرهاب لعام 2026» في السادس من مايو/أيار، وحددت فيها ثلاثة أصناف رئيسية للتهديد: عصابات المخدرات العابرة للحدود، والجماعات الإسلامية القادرة على ضرب الأراضي الأميركية، و«المتطرفون اليساريون العنيفون، بمن فيهم الفوضويون ومناهضو الفاشية». واستندت الخزانة إلى هذه الوثيقة في بيانها يوم الأربعاء.
وأعلن وزير الخارجية ماركو روبيو ذراع التنفيذ في 16 يوليو/تموز، عقب مؤتمر في واشنطن حضره ممثلون عن أكثر من ستين حكومة. قال يومها: «طويلا ظلت عقيدتنا لمكافحة الإرهاب تعاني بقعة عمياء، بقعة عمياء تجاه العنف المتطرف الآتي من اليسار السياسي».
وتقضي السياسة الجديدة بمنع التأشيرات الأميركية عن الأجانب الذين شاركوا، بلغة الخارجية نفسها، في «التخريب الاقتصادي»، أو موّلوا أو جنّدوا أو قدّموا دعما لوجستيا لأعمال عنيفة أو إجرامية.
هذه العبارة تحديدا هي ما يعني القارئ الفلسطيني، إذ لم تنشر الوزارة تعريفا لما تعنيه بالتخريب الاقتصادي.
وقال بيتر مارغوليس، أستاذ قانون الأمن القومي في جامعة روجر ويليامز، لموقع «ذي إنترسبت» هذا الشهر إن المصطلح «واسع بما يكفي لتمرير دبابة، وهذا إشكالي فعلا في ضوء التعديل الأول، لأن الناس في هذا البلد يملكون حق انتقاد الشركات كما ينتقدون الحكومة».
أما كاري ديسيل من معهد نايت للتعديل الأول في جامعة كولومبيا فرأت أن الصياغة قد تطال مناصري حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات، وقالت: «الغموض هو المقصود».
ما تقوله الخزانة وما لم تثبته محكمة#
عرضت الوزارة حجتها ضد كل تنظيم بكلماتها، والحجتان مختلفتان.
في حالة «بالستاين أكشن» تحدثت عن تقديم دعم مادي لعمل إرهابي، وأشارت إلى اقتحامات طالت مصانع دفاعية ومنشآت عسكرية بريطانية. تأسست المجموعة عام 2020، واعتمدت حملتها على اقتحام مصانع «إلبيت سيستمز» البريطانية وشركات موردة لها، منها «تاليس»، وإتلاف محتوياتها.
أما في حالة «مسار بديل» فالادعاء بنيوي: أن الحركة واجهة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي تصنفها واشنطن «منظمة إرهابية أجنبية» منذ 1997.
وقالت الخزانة إن الحركة تتقاسم قنوات التمويل وأعضاء اللجنة التنفيذية مع شبكة «صامدون» للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين، التي أدرجتها واشنطن وأوتاوا معا في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2024، وسمّت حينها خالد بركات ومحمد خطيب بين قياديّيها.
تأسست «مسار بديل» عام 2021، وتطرح في أدبياتها برنامجا يقوم على المقاومة المسلحة وتحرير فلسطين التاريخية ضمن إطار مناهض للاستعمار. ويسجل «برنامج دراسة التطرف» في جامعة جورج واشنطن أن الحركة تصف «صامدون» بأنها ركن من أركانها.
قرار مكتب مراقبة الأصول قرار تنفيذي بطبيعته، إذ لا تصحبه تهمة جنائية، ولم توزن أدلته أمام قاض، وطريق الخروج منه التماس إداري يقدَّم إلى المكتب الذي أصدره.
ورد خالد بركات على الإدراج بقوله إن «إدارة ترامب هي المرتكب الأول للإرهاب في العالم، ومعها أقرب أصدقائها بنيامين نتنياهو».
وردّت هدى عموري، المؤسِّسة المشاركة لـ«بالستاين أكشن»، بلغة شخصية: «بوصفي فلسطينية وعراقية، فإن أن يصفني بالإرهاب البلد الذي دمّر وطنيّ كليهما أمر يتجاوز النفاق»، مضيفة أن القرارات «يجب أن تكون جرس إنذار لكل من يهمه حرية التعبير والحريات المدنية».
ماذا يفعل الإدراج بإنسان عادي#
يتجاوز أثر الإدراج التنظيم المذكور في القائمة بكثير، والآلية تستحق الشرح.
تجمّد الخزانة الممتلكات الموجودة في متناول الأميركيين، وتمنع الأشخاص والمؤسسات الأميركية من أي تعامل، والمسؤولية هنا مطلقة بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية.
وحذّرت مذكرة قانونية أصدرها مكتب «أرنولد آند بورتر» في ديسمبر/كانون الأول للمؤسسات المعفاة من الضرائب من أن الجهة قد تتحمل مسؤولية مدنية «حتى من دون علمها بأن الطرف المقابل مدرج على العقوبات»، بما في ذلك عبر خلط الأموال أو استضافة فعالية مشتركة.
وتقديم الدعم المادي عن علم جريمة اتحادية منفصلة بموجب المادة 2339B من القانون الجنائي، وتَعُدّ المادة المال والتدريب والمشورة المتخصصة دعما.
الأثر الأهدأ مصرفي. سجلت المذكرة نفسها أن البنوك ومعالجات الدفع ومنصات التمويل الجماعي تسارع إلى تعليق حسابات أي جهة تراها قريبة من مدرَج، أو تجميدها أو إغلاقها، وأن الإدراج يجلب انصراف المتبرعين وأثرا مثبِّطا على تعبير محمي قانونا.
يعرف الفلسطينيون هذه الآلية من طرفها الآخر. حوالة من شيكاغو إلى رام الله، أو تبرع لعيادة في خان يونس، يمر في أنظمة امتثال تحسم الشك بالرفض، وكل توسيع لدائرة المدرَجين يوسّع ما تعده تلك الأنظمة شكا.
وكان طارق كيني-الشوّا، زميل السياسات المقيم في الولايات المتحدة في «الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية»، قد ساق هذه الحجة عند إدراج «صامدون» عام 2024، محذرا من أن يصير القرار سابقة تطال مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني عموما. ويوم الأربعاء اتسعت القائمة بتنظيمين وشخصين يقيمان في ألمانيا والبرازيل.
بريطانيا نفسها لم تحسم الأمر#
الجهة التي سارت واشنطن خلفها لم تفرغ بعد من نزاعها القضائي.
حظرت بريطانيا «بالستاين أكشن» بموجب قانون الإرهاب في الخامس من يوليو/تموز 2025، بعد أسبوعين من دخول ناشطين قاعدة برايز نورتون الجوية وإتلاف طائرات فيها.
وصار الانتماء إليها أو دعمها جريمة عقوبتها تصل إلى أربعة عشر عاما. وحتى منتصف يونيو/حزيران الماضي نفذت الشرطة البريطانية أكثر من ثلاثة آلاف اعتقال على خلفية دعمها، كثير منها بحق أشخاص رفعوا لافتات.
وتحركت المحاكم في الاتجاهين. ألغت المحكمة العليا في لندن الحظر بوصفه غير قانوني في 13 فبراير/شباط، في أول طعن ناجح على قرار حظر بهذه الصلاحيات. ثم نقضت محكمة الاستئناف ذلك الحكم في 15 يونيو/حزيران وأعادت الحظر. وفي مطلع أغسطس/آب أذنت المحكمة العليا البريطانية بالنظر في طعن عموري، وقالت إنها ستمضي إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إن خسرت هناك.
الإدراج الأميركي لا ينتظر شيئا من ذلك. يسري الآن، في بلد لا يملك نظام حظر مماثلا لتنظيماته الداخلية، ويطال فلسطينيين في الشتات لم تطأ أقدامهم بريطانيا.
هذا هو ميزان اليوم لقارئ في غزة ورام الله: ألغى ترامب في يناير/كانون الثاني 2025 الأداة الأميركية التي كانت تعاقب المستوطنين المستولين على الأرض الفلسطينية، ولم تعدها إدارة بعده، فيما اتسعت يوم الأربعاء الأداة التي تعاقب من ينظّمون من أجل فلسطين في الخارج.







