سياسة ودبلوماسية
واشنطن تقصف لارك.. وطهران ترد بصواريخ على قواعد في الأردن
حقوق الصورة: Sunrise over Muwaffaq Salti Air Base, Jordan — Eric Harris, U.S. Air Force / Air Forces Central, via Wikimedia Commons · الترخيص
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
انتهى شهر من الهدوء في الحرب الأميركية على إيران فوق بقعة ماء في الخليج مساء الأحد، ومع فجر الاثنين كان الرد قد سقط على أرض عربية، في بادية شرق عمّان.
أعلنت القيادة المركزية الأميركية أن قواتها ضربت منصتي صواريخ للحرس الثوري في جزيرة لارك، وهي جزيرة إيرانية صغيرة قرب مدخل مضيق هرمز. وهي أول ضربة أميركية داخل إيران منذ أكثر من شهر.
وقالت القيادة في بيان نشرته الأحد إن «القوات الأميركية نفّذت إجراء محدوداً ودقيقاً ضد قوات زرع الألغام التابعة للحرس الثوري، التي تشكّل تهديداً وشيكاً في مضيق هرمز».
وبعد ساعات، أعلن الحرس الثوري أنه أطلق صواريخ باليستية على قاعدتي الملك حسين والأزرق الجويتين في الأردن، وعلى قاعدة المنهاد الجوية في الإمارات. وهكذا صارت دولتان عربيتان تستضيفان قوات أميركية هما العنوان الذي يُدفع فيه حساب حرب واشنطن.
ماذا يقول كل طرف#
أعلن الجيش الأردني أنه اعترض ثمانية صواريخ دخلت أجواء المملكة فجر الاثنين ودمّرها قبل أن تشكّل خطراً على الأرواح أو الممتلكات، فيما تحدّث سكان قرب العقبة عن سماع انفجارات.
وأسقط سلاح الجو الإماراتي طائرة مسيّرة قادمة من إيران فوق المياه الإقليمية، على ما أفادت وزارة الدفاع في أبوظبي، التي وصفت ما جرى بأنه تصعيد خطير وانتهاك للسيادة، ونفت في الوقت نفسه استهداف قاعدة المنهاد.
ونقلت وكالة «إرنا» الإيرانية الرسمية أن الضربات «ألحقت أضراراً جسيمة بالأهداف»، غير أن القيادة المركزية وصفت هذا الكلام بأنه عارٍ تماماً من الصحة، إذ أكد مسؤول أميركي أن القواعد الأميركية لم تُصب.
ودخلت الحرب شهرها السابع هذا الأسبوع. فمنذ انطلاقها في 28 شباط/فبراير سقط 18 جندياً أميركياً وأصيب 759 آخرون، بينهم ثلاثة جنود قُضوا في ضربة إيرانية على قاعدة مؤفق السلطي الجوية في الأردن في 17 تموز/يوليو.
الذريعة نفسها موضع جدل#
يقوم تبرير القيادة المركزية على ادعاء محدد، هو أن الحرس الثوري كان يركّب ألغاماً بحرية على صواريخ لنثرها في ممرات الملاحة.
ويرى هارلان أولمان، الضابط البحري الأميركي الكبير المتقاعد، أن هذه الطريقة غير معقولة، إذ قال للجزيرة إن اللغم الذي يصل محمولاً على صاروخ يرتطم بالماء بسرعة تكفي لتدميره. وتساءل لماذا تختار إيران أسلوباً مبتكراً وأمامها وسائل أبسط.
وكان التلفزيون الإيراني قد عرض في كانون الثاني/يناير 2025 راجمة «فجر-5» ضمن مناورات بحرية، وهو العرض الذي يستند إليه المسؤولون الأميركيون. أما إيران فلم تؤكد أنها تنشر الألغام بهذه الطريقة، ووصفت ضربة الأحد بأنها عمل عدواني.
وكانت القيادة المركزية أعلنت الأسبوع الماضي أنها أنهت تطهير ممرات الملاحة الدولية في المضيق من الألغام البحرية، وأن قواتها جاهزة لحماية انسياب التجارة. ويلاحظ محللون أن تطهير ممر مائي بهذا الاتساع عمل بطيء ومنهجي.
المفاوضات تجري في مسقط لا في واشنطن#
المسار الذي قد يعيد فتح هرمز يمرّ اليوم بمسقط، لا بوزارة الخارجية الأميركية.
فقد زار وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي طهران في 25 آب/أغسطس محادثاً نظيره الإيراني عباس عراقجي، وتحدّث بيانهما المشترك عن إطار مرحلي لممر ملاحي مؤقت ولإزالة الألغام، وعن مواصلة العمل للتوصل إلى ممر دائم وإلى صيغة لإدارة المضيق مستقبلاً.
وأعلن نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي في اليوم التالي أن البلدين اتفقا على ممر بحري مؤقت عرضه نحو أحد عشر كيلومتراً.
وبعد خمسة أيام ضربت البحرية الأميركية الجزيرة المجاورة له.
وكان البيت الأبيض قد نفى الأسبوع الماضي وجود أي مفاوضات جارية بين واشنطن وطهران. وقال الرئيس دونالد ترامب لقناة «فوكس نيوز» الاثنين، بعد سقوط الصواريخ في الأردن، «سنضربهم بقوة» و«سيكون هناك رد».
أما الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان فأكد أن بلاده لا تسعى إلى الحرب، لكنها لن تقف مكتوفة أمام العدوان.
لماذا يعني الصاروخ فوق الأردن الفلسطينيين#
ليس الأردن طرفاً بعيداً عن الحياة الفلسطينية. فأكثر من 2.39 مليون لاجئ فلسطيني مسجلون فيه، وهو أكبر ميادين وكالة الأونروا الخمسة، ويقيم نحو 18 بالمئة منهم في المخيمات العشرة المعترف بها في المملكة.
والأردن أيضاً هو الجسر البري. إذ سيّرت الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية بالتعاون مع الجيش قافلتها الإغاثية البرية الـ190 إلى غزة في 15 آب/أغسطس، وفيها ثلاث وأربعون شاحنة غذاء، فيما نقل مجمع الخدمات اللوجستية الأممي أكثر من 1850 شاحنة مساعدات عبر المملكة منذ كانون الأول/ديسمبر 2023.
وهو كذلك واحد من حكومتين أسندت إليهما واشنطن دوراً في «اليوم التالي». فبموجب ترتيبات «مجلس السلام» يتولى الأردن ومصر تدريب جهاز الشرطة الفلسطينية الجديد المعدّ لغزة — نحو خمسة آلاف عنصر يتدربون في مصر — بينما تقدّم إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا جنوداً لقوة الاستقرار الدولية.
وتستضيف المملكة نفسها اليوم نحو أربعة آلاف عسكري أميركي، أبرزهم في قاعدة مؤفق السلطي قرب الأزرق على بعد مئة كيلومتر شرق عمّان، حيث ترابط طائرات أميركية وبطاريات «ثاد» المضادة للصواريخ. وتقدم واشنطن للأردن أكثر من مليار ونصف المليار دولار سنوياً.
أكثر من 2.39 مليون لاجئ فلسطيني مسجلون في الأردن، أكبر ميادين الأونروا، في البلد الذي يُقصف اليوم لاستضافته قوات أميركية.
ووصف كورتيس رايان، أستاذ العلوم السياسية في جامعة أبالاتشيان ستيت، هذا المأزق في تحليل نشره «المركز العربي واشنطن دي سي» في آذار/مارس: القوات الأميركية ومنظومات الدفاع الجوي تحمي الأردن، ووجودها نفسه يجعل الأردن هدفاً.
وسجّل رايان ما يخشاه الفلسطينيون في المملكة تحت كل ذلك: أن تُحيي مقترحات نقل سكان غزة إلى مصر والأردن فكرة الوطن البديل، التي تُسوّى فيها مسألة العودة بتوطين دائم في مكان آخر.
وقد ضاق الصبر المحلي بهذه المعادلة. فقد وقّع مئات الأردنيين رسالة مفتوحة تطالب بخروج القوات الأجنبية من المملكة، معتبرين أن وجودها يجلب مخاطر أمنية وسياسية واقتصادية ويزجّ بالبلد في حروب غيره.
الحساب يصل إلى محطة الوقود#
بالنسبة لبيوت غزة والضفة، المضيق سعر لا خريطة.
فقد بلغ خام برنت نحو 89.53 دولاراً للبرميل في منتصف آب/أغسطس، أي أعلى بنحو 24 بالمئة من مستواه قبل بدء الحرب أواخر شباط/فبراير، وفق ما نقلت الجزيرة عن بيانات السوق. وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن يبلغ متوسط سعر برنت 87 دولاراً خلال 2026، وألا يقترب إنتاج الشرق الأوسط من مستوياته قبل الحرب قبل مطلع 2027.
وتعمل مستشفيات غزة ومخابزها ومضخات مياهها على المولدات والسولار المستورد، فيما يُشترى وقود الضفة بأسعار تتحدد في السوق الإسرائيلية التي تستورد نفطها الخام.
ويبقى مصير الممر العُماني غامضاً. فلم تعلن أي من الحكومتين ما إذا كانت ضربة الأحد تعلّق الإطار المرحلي، ولم تحدد واشنطن موقفاً من الممر أصلاً.
أما الكونغرس فسجّل اعتراضه من قبل وخسر. صوّت مجلس النواب في 3 حزيران/يونيو بـ215 مقابل 208، ومجلس الشيوخ في 24 حزيران/يونيو بـ50 مقابل 48، لمطالبة الرئيس بسحب القوات الأميركية من الأعمال القتالية مع إيران. غير أن القرار المشترك لا يصل إلى مكتب الرئيس ولا يحمل قوة القانون.
بعد ستة أشهر، أنتجت الحرب نمطاً يقرأه الفلسطيني بلا شرح: الكلام يجري في مسقط، والقرار في واشنطن، والصواريخ تسقط في عمّان وأبوظبي وطهران، والفاتورة تصل إلى مولّد كهرباء في مدينة غزة.




