سياسة ودبلوماسية
وبّخت واشنطن إسرائيل على قصف سوريا لا على قصف غزة

حقوق الصورة: Tom Barrack, US ambassador to Turkey and special envoy for Syria — US State Department via Wikimedia Commons (public domain) · الترخيص
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
اعترضت واشنطن يوم الثلاثاء، وبصوت مسموع، على غارة إسرائيلية. لكنّ الغارة التي اعترضت عليها وقعت في سوريا.
فقد أصابت ثماني قنابل إسرائيلية مدارج قاعدة أبو الظهور الجوية وحظائرها في ريف إدلب فجراً، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية، بعد ساعات من مغادرة وفد عسكري تركي المكان. ولم تسجَّل إصابات.
وصف توم برّاك، السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص لسوريا، الهجوم بأنه «تصعيد لا لزوم له ولا يخدم الاستقرار الإقليمي»، داعياً الأطراف إلى «تغليب الحوار العقلاني على مزيد من الحوادث العسكرية».
وفي اليوم نفسه، أطلقت طائرة إسرائيلية صاروخين على مقهى صغير داخل ميناء الصيادين غربي مدينة غزة، وهو محيط امتلأ بخيام النازحين. استشهد ستة فلسطينيين بينهم طفل في الثالثة عشرة ووالده، وأصيب أربعة عشر آخرون، وفق ما أبلغ أطباء في غزة وكالة رويترز.
أما الردّ الأميركي العلني على هذه الغارة فجاء مختلفاً؛ إذ قال مسؤول في «مجلس السلام» الذي يترأسه الرئيس دونالد ترامب إن إسرائيل تحتفظ بـ«كامل حقها في الدفاع عن النفس»، وإنه لا إعادة انتشار للجيش الإسرائيلي قبل نزع سلاح حماس.
توبيخ نالته إسرائيل في يوم واحد#
لم يكن اعتراض برّاك على قصف دولة مجاورة وحده، بل على أن إسرائيل لم تُبلغ أحداً.
قال المبعوث إن تركيا لم تتلقّ أي إنذار مسبق، وإنها «بالتالي رصدت الطائرات متجهة شمالاً نحو أراضيها، وكان يمكنها منطقياً أن تُعدّ ردّها الخاص» — وهي صياغة دبلوماسية تعني أن حليفين لواشنطن كادا يتبادلان النار.
بررّ مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الغارة بالقول إن إسرائيل وسوريا «اتفقتا على وضع قائم في الشؤون الأمنية»، وإن دمشق كانت «على وشك خرقه» بالسماح لقوات تركية بالانتشار في قاعدة قرب حلب.
في المقابل، وصفت دائرة الاتصال في الرئاسة التركية تلك الرواية بأنها «سخيفة»، وقالت إنها تهدف إلى «إضفاء الشرعية على الغارات الإسرائيلية غير القانونية التي تستهدف سيادة سوريا ووحدة أراضيها».
وقال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن الهجمات «لا تملك مبررات أمنية»، مؤكداً أن دمشق ستواصل «مسارها الدبلوماسي لثني إسرائيل عن هذه السياسة»، فيما وصفتها الخارجية الأردنية بأنها عدوان لا مبرر له وانتهاك صارخ للسيادة السورية.
ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين في البيت الأبيض انزعاجهم من الغارة، إذ يعدّ ترامب انفتاحه على حكومة الرئيس أحمد الشرع في دمشق إنجازاً يخصّه؛ وأضاف الموقع في التقرير ذاته أن الإدارة نادراً ما تكون مستعدة لرسم خط أحمر واضح أمام نتنياهو.
غارة غزة مرّت بلا اعتراض#
قال الجيش الإسرائيلي إن غارة مدينة غزة استهدفت قادة في حماس شاركوا في هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 ومسلحين آخرين، ولم يقدّم دليلاً ولم يسمِّ أحداً من القتلى.
جاءت الغارة بعد يوم واحد من مغادرة جاريد كوشنر القدس، وفي أول يوم عمل لآلية صُمّمت تحديداً لمثل هذا القرار.
فقد اتُّفق يوم الاثنين بين كوشنر ونتنياهو على آلية لمنع التصادم في غزة: تُبلغ إسرائيل عن تهديد ناشئ يشتبه به، ويرفعه الوسطاء إلى حماس، فتصير القوة الخيار الأخير لا الأول. ولم يقل أي مسؤول أميركي يوم الثلاثاء ما إذا كان المقهى قد مرّ عبر هذه الآلية.
وتُحصي وزارة الصحة في غزة ما لا يقل عن 1262 شهيداً وأكثر من 4100 جريح منذ سريان وقف إطلاق النار في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر، ومعظمهم سقطوا في غارات بررتها إسرائيل بأنها استباق لتهديدات.
آلية بدل الكبح#
بعد انتقاده غارة سوريا، اقترح برّاك العلاج نفسه الذي ناله ملف غزة قبل يوم واحد.
قال إن الولايات المتحدة تعمل «بشكل نشط» على إنشاء آلية لمنع التصادم تضمّ إسرائيل وسوريا وتركيا منعاً لسوء التفاهم مستقبلاً، مضيفاً أن واشنطن تدير أصلاً قناة لتبادل المعلومات بين الأطراف، لكنّ المطلوب بنية أكثر متانة وموارد أكبر.
الاستثمار في مثل هذه الآليات أقلّ كلفة بكثير من الاعتماد على وسائل تواصل حركية قد تبلغ كلفتها مئات ملايين الدولارات.
توم برّاك، السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص لسوريا، 18 آب/أغسطس 2026
تستحق هذه الجملة قراءة ثانية من غزة، فهي تسعّر ضبط النفس في مقابل القصف، وتجد القصف باهظاً.
غير أنها لا تنزع من أحد قدرته على القصف. فآلية منع التصادم خطّ هاتف لا حظر؛ تنظّم المحادثة التي تسبق الغارة، وتترك القرار في المكان الذي هو فيه أصلاً.
والفلسطينيون اليوم داخل ترتيبين من هذا النوع بلا مقعد في أيّهما: في سوريا الأطراف هي إسرائيل وتركيا ودمشق، وفي غزة هي إسرائيل والوسطاء ومجلس السلام، فيما تصل حماس عبر القاهرة والدوحة.
عطاء «إي 1» الذي لم تجب عنه الإدارة#
بينما كان المبعوثون يناقشون الآليات، أقدمت وزارة الإسكان الإسرائيلية في الضفة على خطوة لا تغطّيها أي آلية.
ففي اليوم ذاته فتحت باب المناقصة على 1234 وحدة استيطانية في منطقة «إي 1»، سلسلة التلال شرقي القدس المحتلة، بحسب حركة «السلام الآن» الإسرائيلية المراقِبة للاستيطان. ونشرت «هآرتس» العطاء نفسه، فيما ذكرت وكالة «وفا» أنه يشمل سبعة مجمّعات استيطانية.
يُغلق باب العروض في 19 تشرين الأول/أكتوبر، أي قبل أسبوع واحد من الانتخابات الإسرائيلية في السابع والعشرين من الشهر ذاته. والوحدات جزء من 3401 وحدة مخططة في المنطقة، والمخطط لا يزال محلّ التماس قضائي، وقالت «السلام الآن» إن الملتمسين علموا بالعطاء من موقع سلطة أراضي إسرائيل لا من الدولة.
خطورة «إي 1» بالنسبة إلى الفلسطيني جغرافية لا رمزية؛ فبناؤها يصل القدس بمستوطنة معاليه أدوميم ويقطع شمال الضفة عن جنوبها، فلا يبقى بين رام الله وبيت لحم سوى طرق التفافية تتحكم بها إسرائيل.
وكان خمسة وثمانون عضواً في الكونغرس، بقيادة النائبة جان شاكوفسكي والنائب مارك بوكان، قد راسلوا وزير الخارجية ماركو روبيو في حزيران/يونيو مطالبين بالضغط على إسرائيل لوقف البناء في «إي 1». والعطاء هو الجواب الذي وصلهم.
أما موقف الإدارة فأعلنه هذا الشهر السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي حين قال إن الولايات المتحدة «لم تطلب يوماً من إسرائيل ألا تفرض سيادتها»، وإنها لن تملي عليها ما تفعل. وفي ملف «إي 1» تحديداً لم تتخذ الإدارة أي موقف.
ثلاثون يوماً بلا أيدٍ تتسلّم السلاح#
داخل خطة غزة نفسها، يدور الخلاف الذي تبقيه واشنطن بعيداً عن العلن حول من سيمسك بالسلاح.
قال كوشنر لقناة «فوكس نيوز» يوم الاثنين إن على حماس أن تبدأ تسليم سلاحها خلال ثلاثين يوماً. وبحسب الخطة، يذهب هذا السلاح إلى جهاز شرطة فلسطيني جديد تابع للجنة الوطنية لإدارة غزة، تحت إشراف القوة الدولية.
لكنّ نتنياهو يرفض السماح لمجنّدي الشرطة بمغادرة القطاع للتدرّب في مصر، وفق ما نقلته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» عن مسؤولين إسرائيليين، وقد اعترض كوشنر في القدس على هذا الرفض وعلى استمرار الغارات.
الحساب بسيط وقاسٍ: بلا مجنّدين مدرَّبين لا توجد جهة فلسطينية تتسلّم بندقية واحدة، ومهلة الثلاثين يوماً التي أُعلنت على التلفزيون الأميركي تجري في مواجهة طابور أغلقته إسرائيل.
وفي الأثناء تُجمَّع القوة التي ستضبط القطاع من أماكن أخرى؛ إذ تفقّد ضباط أوغنديون وبورونديون رفح هذا الأسبوع تمهيداً لانتشار محتمل، بعدما أقرّ برلمان أوغندا إرسال قوات في السادس من آب/أغسطس.
وبقيت الحرب الأوسع في مكانها، فقد أعلن ترامب الثلاثاء أنه لا مفاوضات جارية مع إيران ونشر خريطة تصف مضيق هرمز بأنه أرض أميركية، فيما يُعدّ السيناتور تيم كين قراراً بصلاحيات الحرب يمنع ضرب عُمان، الدولة التي تتوسط له.
يقرأ دفتر الثلاثاء واضحاً من مدينة غزة ومن رام الله: حين ضربت إسرائيل دولة تتودّد إليها واشنطن، اعترض المبعوث خلال ساعات وبالاسم.
وحين ضربت إسرائيل مقهى يكتظّ بالنازحين، وحين طرحت وزارة إسكانها وسط الضفة للبيع، قدّمت الإدارة آلية، وحقاً في الدفاع عن النفس، ولا موقف على الإطلاق.





