الصحافة الأميركية
بعد عام على الاعتراف.. مراكز واشنطن تختلف في الحصيلة
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
دخلت معاهد السياسة في واشنطن أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر منقسمةً حول ما إذا كانت موجة الاعتراف في أيلول/سبتمبر 2025 قد أثمرت شيئاً، أما الإجراء الأمريكي الملموس الوحيد في تلك الفترة فجاء في الاتجاه المعاكس: إذ أعلنت وزارة الخارجية في 16 أيلول/سبتمبر تمديد العقوبات التي تحرم أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية ومسؤولي السلطة الوطنية الفلسطينية من التأشيرات.
وقالت الوزارة إنّ التمديد جاء على خلفية «إخفاقهم في الإصلاح، خلافاً لالتزاماتهم تجاه الولايات المتحدة، وأنشطتهم المستمرة التي تقوّض فرص السلام»، مشيرة إلى أنها تتصرف بموجب قانون التزامات السلام في الشرق الأوسط لعام 2002، ومضيفة أنّ من المصلحة الوطنية «فرض عواقب ومساءلة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية على تمجيد الإرهاب». واستشهدت الوزارة بتحركات في المنظمات الدولية، من بينها اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية.
وأفادت وكالة UPI بأنّ الإعلان جاء وسط تقارير عن رفض الولايات المتحدة منح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تأشيرة للعام الثاني على التوالي، وفي وقت كانت الجمعية العامة مقبلة على التصويت على السماح لعباس بتقديم كلمة مصوّرة.
وعلى الأرض، تتقارب التقديرات. فقد نقلت وكالة الصحافة الفرنسية في 18 أيلول/سبتمبر أنّ قيام الدولة الفلسطينية يبدو، بعد عام على الاعتراف، أبعد منالاً من أي وقت مضى، مع تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين ودفع الفلسطينيين إلى مساحة أضيق. وقالت الباحثة إيناس عبد الرازق للوكالة إنّ الاعتراف لا يعني الكثير من دون إجراءات تدعم وجود الدولة، وإنّ حل الدولتين تحوّل إلى «لازمة دبلوماسية لتفادي النظر إلى الواقع في وجهه».
«إخفاقهم في الإصلاح، خلافاً لالتزاماتهم تجاه الولايات المتحدة، وأنشطتهم المستمرة التي تقوّض فرص السلام»
أما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، فقال في 22 أيلول/سبتمبر، خلال اجتماع رفيع المستوى دعت إليه كندا وفرنسا والسعودية والمملكة المتحدة، إنّ شروط قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة «تُمحى بصورة منهجية»، وإنّ مخطط الاستيطان الإسرائيلي «E1» سيوجّه «ضربة قاتلة» لقيام الدولة الفلسطينية.
ووصف في الكلمة نفسها المستوطنات الإسرائيلية في الأرض المحتلة بأنها «انتهاك صارخ للقانون الدولي». وقال في خطابه أمام المناقشة العامة في اليوم ذاته إنّ التوسع الاستيطاني والتهجير في الضفة الغربية «يجرفان طريق السلام» ويثيران «شبح التطهير العرقي».
وكانت الحجج المؤسسية قد تبلورت قبل عام، ولم تتغير كثيراً منذ ذلك الحين. فقد كتب روبرت ساتلوف من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في آب/أغسطس 2025 أنّ فرنسا وبريطانيا وكندا كانت «تعبّد (طرقاً منفصلة) لا تفضي إلى شيء».
في المقابل، ذهبت سهير مديني، في مقال للمعهد نفسه عشية الاعتراف أثناء إقامتها البحثية موفدةً من وزارة الخارجية الفرنسية، إلى عكس ذلك تماماً: فالاعتراف محاولة لتقوية السلطة الفلسطينية لا حماس، وباريس كانت واضحة في أنّ حماس يجب أن تُنزع أسلحتها وأن تُمنع من الحكم.
ونشر صندوق كارنيغي للسلام الدولي قراءتين في أيلول/سبتمبر 2025. ذهبت الأولى إلى أنّ عدداً من الدول تحدّى، باعترافه بفلسطين، الهيمنة الأمريكية على المفاوضات مع إسرائيل. ورأت الثانية أنّ هذه الخطوات لا تنهي الاحتلال ولا توقف الحرب، لكنها تفتح نافذة دبلوماسية وتبني على توازن جديد على الصعيد الدولي.
ولاحظ جان-لو سامان، الزميل الأقدم غير المقيم في مبادرة سكوكروفت لأمن الشرق الأوسط التابعة للمجلس الأطلسي، أنّ العواصم المعترِفة اتخذت «إجراءات عقابية دنيا (حتى الآن)» بحق إسرائيل. وسجّل مجلس العلاقات الخارجية الردّ الإسرائيلي: إذ دعا عدد من الوزراء في حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى ضمّ أجزاء من الضفة الغربية رداً على الاعترافات.
وفي المركز العربي واشنطن دي سي، رأى تحليل جماعي نُشر في 28 أيلول/سبتمبر أنّ دورة الجمعية العامة 2026 كشفت عزلة إسرائيل المتفاقمة والتباعد بين المحور الأمريكي-الإسرائيلي والأغلبية العالمية، مع انسحاب عشرات المندوبين قبيل خطاب نتنياهو، وحجب واشنطن التأشيرات عن عباس.
وفي مؤتمر المركز يوم 23 أيلول/سبتمبر، قالت المديرة التنفيذية تمارا خروب إنّ استطلاعات الرأي تُظهر أنّ 55 بالمئة من الأمريكيين على الأقل يرون وجوب وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل أو خفضها، وإنّ صافي التأييد لإسرائيل تراجع 67 نقطة خلال ثماني سنوات، وفق ما نقلته The New Arab.
وفي خانة السفارات، الرصيد قصير لكنه حقيقي. فقد رُفع مستوى البعثة الفلسطينية في حي هامرسميث غربي لندن، التي ظلت مقراً دبلوماسياً أكثر من ثلاثين عاماً، إلى سفارة كاملة، وأزاح السفير حسام زملط الستار عن اللافتة في حفل افتتاح في كانون الثاني/يناير 2026. ودعا زملط في ذلك الحفل إلى «إجراءات فورية وملموسة وذات أثر» لوقف الحرب.
وعلى صعيد المساعدات، قرنت بلجيكا اعترافها بالمال؛ إذ قال رئيس الوزراء بارت دي ويفر إنّ بلاده تعهّدت بـ600 مليون يورو دعماً وبأكثر من 190 مليون يورو مساعدات إنسانية. غير أنّ الإيصال ظلّ هو المشكلة. فقد وصف توم فليتشر، الذي يرأس مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، الجمعيات الخيرية التي حظرتها إسرائيل بأنها «حلفاء وشركاء أساسيون»
في إيصال المساعدات إلى غزة، وهو حظر وصفته المملكة المتحدة وحكومات أخرى بأنه «غير مقبول» مع ضغطها من أجل وصول يمكن التعويل عليه. أما ربط التجارة بشروط مقترنة بالاعتراف فلا يرد في مواد أسبوع الجمعية العامة الصادرة عن أيٍّ من هذه المؤسسات.
وتبقى صفحات الرأي أوسع مساحات الخلاف. ففي 26 أيلول/سبتمبر نشرت الجزيرة مقالاً يرى أنّ الحكومة البريطانية تتجه إلى ترجمة الخطاب إلى سياسة؛ وقبل ذلك بيومين نشرت JNS مقالاً لشين شموئيل يتساءل عمّا حققه الاعتراف الأسترالي، ويشير إلى قول رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي إنّ الاعتراف استند إلى التزامات من السلطة الفلسطينية.
والشروط التي اقترنت بالاعتراف آنذاك باتت اليوم هي المسطرة. فمكتبة مجلس العموم تسجّل أنّ فرنسا وكندا والمملكة المتحدة كانت أول دول مجموعة السبع التي اعترفت، وأنّ كير ستارمر كرّر أنّ حماس لا يمكن أن تؤدي أي دور مستقبلي في غزة.
وكتبت زيزيت دركزللي لمعهد تشاتام هاوس في لندن أنّ بيان الاعتراف الكندي تضمّن قائمة إجراءات محددة، من بينها إجراء انتخابات عامة في 2026. أما ما إذا كانت هذه الانتخابات ستجري فلا يثبته سجلّ أسبوع الجمعية العامة.
وما سيأتي لاحقاً مرهون بالكنيست. فرسالة بعث بها أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي في 16 كانون الثاني/يناير 2026 أشارت إلى مصادقة الكنيست التمهيدية على مشروعي قانون لفرض السيادة الإسرائيلية، وقالت إنّ ثمة حاجة إلى خطوات ملموسة تسند التصريحات الأمريكية المعارضة للضمّ. وحدّد يحزكيل لاين ورامي دجاني، في مقال لمرصد «غلوبال أوبزرفاتوري»
التابع للمعهد الدولي للسلام في أيلول/سبتمبر، معيار الاختبار أمام الدول المعترِفة بترجمة الاعتراف الرسمي إلى تدابير ملموسة توسّع السيادة الفلسطينية. ولم تنشر أيٌّ من مؤسسات واشنطن ما يدل على أنّ ذلك قد حدث بعد.


