المال والوصول
غارات الاحتلال تقطع الشبكات التي يقوم عليها اقتصاد غزة الرقمي
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
يقوم نظام الدفع الذي بنته غزة خلال الحرب على الاتصال نفسه الذي قطعته الغارات الإسرائيلية مرارًا، أما البدائل التي تعمل من دون إنترنت ويجري الترويج لها بوصفها علاجًا، فلا تترك أثرًا في أي سجل منشور عن استخدامها داخل القطاع.
التحوّل نحو النقد الرقمي قابل للقياس. فقد أفاد صندوق الأمم المتحدة للمشاريع الإنتاجية في حزيران/يونيو 2026 بأن نحو ألف تاجر، كثير منهم باعة صغار وأصحاب أعمال غير رسمية، أُدخلوا إلى منظومة دفع رقمية خلال عام 2025، وأن أكثر من 90 في المئة منهم يستخدمون الأدوات الرقمية فعليًا.
أما معهد هدسون، ومقره واشنطن، فقدّر الأرصدة المودعة في المحافظ الرقمية في غزة بنحو 40 مليون دولار في كانون الثاني/يناير 2025، لترتفع إلى ما يزيد على 115 مليون دولار بحلول حزيران/يونيو، مع أكثر من 790 ألف مستخدم نشط، مشيرًا إلى أن منصة واحدة هي iBURAQ عالجت زهاء 2.8 مليون عملية.
وسجّلت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة «فيوز نت» في تشرين الأول/أكتوبر 2025 أن شحّ السيولة دفع إلى تبنٍّ سريع للدفع عبر الهاتف والمحافظ الإلكترونية، وهو ما تسارع خلال العام نفسه.
غير أن هذه المنظومة تحتاج إلى شبكة حيّة، وشبكة غزة انطفأت مرارًا. فقد أوردت مؤسسة «الحدود الإلكترونية»، نقلًا عن المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي «حملة»، أن غزة واجهت ثالث انقطاع شبه كامل للاتصالات منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بدأ في 11 حزيران/يونيو 2025 واستمر ثلاثة أيام قبل عودة جزئية للخدمة في 14 من الشهر ذاته.
وأعلنت سلطة تنظيم قطاع الاتصالات الفلسطينية في 12 حزيران/يونيو 2025 توقّف جميع خدمات الإنترنت والهواتف الثابتة في قطاع غزة بعد استهداف آخر مسار ألياف ضوئية رئيسي، واصفةً عزلة رقمية متصاعدة يسببها الاستهداف الممنهج للبنية التحتية للاتصالات.
وأفادت مجموعة اتصالات الطوارئ في 16 حزيران/يونيو 2025 بأن الاستعادة الجزئية قبل يومين لم تمنح سوى هدنة هشّة، إذ فصل قطع جديد في الألياف جنوب القطاع ووسطه. وقالت منظمة «أكسس ناو» وائتلاف #KeepItOn إن مساحات واسعة من وسط غزة وجنوبها فقدت الاتصالات مجددًا في 17 حزيران/يونيو 2025. وأعلنت شركة الاتصالات الفلسطينية «بالتل»
في 17 أيلول/سبتمبر 2025 انقطاع خدمات الإنترنت الثابت والهاتف الأرضي في محافظتي غزة وشمال غزة بعد استهداف عدة مسارات تغذية رئيسية، مؤكدة أن طواقمها تعمل على مدار الساعة.
والنقد الورقي ليس بديلًا احتياطيًا. فوفق سلطة النقد الفلسطينية، في تقرير نُشر الأسبوع الماضي، دمّرت الهجمات الإسرائيلية أكثر من 50 فرعًا مصرفيًا في أنحاء غزة وعشرات أجهزة الصراف الآلي، وبقيت كميات كبيرة من الأوراق النقدية حبيسة خزائن مبانٍ متضررة.
وبعد أن سمح وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025 بإعادة فتح بعض الفروع، ظلّت الخدمات إدارية في معظمها ولم تضخّ سيولة جديدة.
ووثّقت مؤسسة الدراسات الفلسطينية اقتصاد العمولات الناتج عن ذلك، حيث تتقلّص حوالة بقيمة 500 دولار إلى نحو 350 دولارًا في الحساب، وإلى قرابة 200 دولار أو أقل نقدًا في اليد، فيما نشأت تجارة لترميم الأوراق النقدية البالية باللاصق وإعادة تلوينها بعد رفض التجار قبول التالف منها. ونقلت مجلة «جويش كارنتس»
في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 أن الوسطاء الذين يحوّلون الأرصدة الرقمية إلى نقد ورقي شحيح يتقاضون عمولات تتراوح بين 1 و50 في المئة.
أما ما لجأ إليه الغزيون فعليًا فلا يزال نقدًا متصلًا بالإنترنت. وصفت «جويش كارنتس» متسوقين في وسط القطاع يدفعون على صناديق المتاجر من محافظ هاتفية تحتوي عملة USDT المستقرة المرتبطة بالدولار، عبر مسح رمز استجابة سريعة. وقال تاجر مواد غذائية للمجلة إنه، مع تلف الأوراق النقدية واختفاء المصارف، لم يعد بمقدوره التجارة والاستيراد إلا بالعملات المشفّرة. وهذه التحويلات تُسوّى على سلاسل كتل عامة وتحتاج إلى نطاق ترددي.
الأدوات التي تُسوَّق بوصفها صامدة أمام انقطاع الشبكة تنتمي إلى فئة أخرى. فمؤسسة OpenSats، الممولة لبروتوكول النقد الإلكتروني Cashu، تفيد بأن رموزها يمكن إرسالها من دون اتصال عبر البلوتوث أو تقنية NFC، وأن جهة الإصدار لا تستطيع تتبّع من أنفق ماذا.
ويجمع مشروع مفتوح المصدر باسم bitpoints.me بين محفظة Cashu وترحيل عبر شبكة بلوتوث متشابكة وبروتوكول nostr لتحويلات ندّية بلا إنترنت. ورأى باحثون نشروا ورقة LNMesh عام 2023 أن الشبكات اللاسلكية المتشابكة على مستوى الأحياء قادرة على حمل مدفوعات شبكة «لايتننغ» حيث لا يوجد إنترنت، مع تنبيههم إلى أن عُقد «لايتننغ»
تحتاج عادة إلى اتصال نشط لتعمل بأمان. وتعلن شبكة Meshtastic، القائمة على راديو LoRa، مديات نموذجية تتراوح بين كيلومترين وخمسة كيلومترات. أما Blockstream فتبثّ سلسلة كتل البتكوين عبر الأقمار الصناعية إلى العالم من دون إنترنت، رغم أن وثائقها تشير إلى أن الوصلة أحادية الاتجاه: فالعقدة التي يفوتها جزء من كتلة لا تستطيع طلب البيانات الناقصة.
ولا شيء من ذلك يمثّل انتشارًا فعليًا في غزة. المبادرة الوحيدة الخاصة بالقطاع في السجل المتاح تتعلق بالمراسلة لا بالمال: فقد نشرت مبادرة Tech for Palestine في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 دليلًا لتطبيق Bitchat، الذي تمتدّ قناته المتشابكة بقدر عدد الأجهزة المتصلة التي تعيد ترحيلها، مقترنًا بشرائح eSIM قابلة للتجديد.
وكان جاك دورسي قد أعلن عن Bitchat في تموز/يوليو 2025، وهو يرسل الرسائل عبر شبكة بلوتوث منخفض الطاقة من دون إنترنت أو خدمة خلوية — نصوص لا تسويات مالية.
وتحمل مسارات العملات المشفّرة انكشافًا من نوع آخر. فقد أمر المكتب الوطني الإسرائيلي لمكافحة تمويل الإرهاب بمصادرة 84 محفظة رقمية في تموز/يوليو 2021 استنادًا إلى المادة 66 من قانون مكافحة الإرهاب، وفي 2022 أمر وزير الأمن بمصادرة 30 محفظة و12 حسابًا مرتبطة بشركة الصرافة «المتحدون» في غزة.
وأوردت Finance Magnates إجراءً منفصلًا للمكتب ذاته ضد 80 حسابًا على منصة «بايننس» تعود لثلاث شركات صرافة في غزة تحتوي أكثر من 500 ألف شيكل. والمصادرة الإدارية لا تتطلب إدانة.
يصف صندوق الأمم المتحدة للمشاريع الإنتاجية المدفوعات الرقمية بأنها بديل أكثر مرونة من النقد الورقي؛ لكن سجل الانقطاعات وبيانات السيولة يرسمان صورة منظومة تتوقف لحظة قطع الألياف.
ولا يوجد رقم منشور يوثّق حجم القيمة التي انتقلت — إن انتقلت — خارج الشبكة عبر النقد الإلكتروني أو الشبكات المتشابكة داخل غزة، ولا تظهر في البيانات العلنية لسلطة النقد الفلسطينية أي إرشادات تنظيمية بشأن هذه الأدوات.
ويبقى السؤال معلّقًا قبل الانقطاع المقبل: هل ستُبنى المحافظ المنظّمة التي تحمل اليوم المساعدات النقدية بحيث تُتمّ المدفوعات من دون شبكة؟



