الثقافة والفنون
صناديق أجنبية تمول السينما الفلسطينية.. وموزعو أمريكا يعزفون عنها
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
وزّعت الدورة الأولى من «صندوق الفيلم الفلسطيني» ما مجموعه 45 ألف يورو على تسعة مشاريع، وفق ما أوردته مجلة «ديدلاين» في شباط/فبراير، منها ستة أفلام طويلة وثلاثة أفلام قصيرة، تتناول موضوعات من بينها الحياة في غزة، والطفولة في الخليل، وتشريد البدو.
هذا هو حجم الوعاء الوحيد المخصص لصناعة الأفلام الفلسطينية. فالصندوق، الذي أطلقه «معهد الفيلم الفلسطيني» في مهرجان كان عام 2025، يقدّم منحاً تتراوح بين 5 آلاف و15 ألف يورو للأعمال في مرحلتي التطوير والإنتاج، وهو مفتوح لصنّاع الأفلام الفلسطينيين أينما أقاموا، بحسب الإعلان الذي نشره مهرجان «إدفا». وذكرت «ديدلاين» أن الجهات الداعمة له هي صندوق «إدفا بيرثا»، ومؤسسة «إنترناشونال ميديا سبورت»، والصندوق العربي للثقافة والفنون.
يبدو المال ضئيلاً إلى جانب ما حققته الأفلام نفسها. فالدراما التاريخية الفلسطينية «فلسطين 36»، للمخرجة آن ماري جاسر، فازت بالجائزة الكبرى في الدورة الثامنة والثلاثين لمهرجان طوكيو السينمائي الدولي، وفق ما أوردته هيئة الإذاعة المصرية الرسمية «ماسبيرو» في تشرين الثاني/نوفمبر، ليصبح أول فيلم فلسطيني ينال هذه الجائزة. وفي كان 2025، ذكرت «ديدلاين»
أن الشقيقين الفلسطينيين عرب وطرزان ناصر فازا بجائزة أفضل مخرج في مسابقة «نظرة ما» عن فيلمهما «كان يا ما كان في غزة»، فيما أوردت قناة الجزيرة الوثائقية أن السعفة الذهبية للفيلم القصير ذهبت إلى «أنا سعيد بأنك ميت الآن».
وخلف أسماء المساهمين سلسلة من المؤسسات الأجنبية. فقد مُوّل «فلسطين 36» بصفته إنتاجاً مشتركاً بين فلسطين وبريطانيا وفرنسا والدنمارك وقطر والسعودية والأردن، بحسب صحيفة «الإمارات اليوم» و«ماسبيرو». وأدرجت «ديدلاين» فيلم «كان يا ما كان في غزة» ضمن الأعمال التي دعمتها مؤسسة الدوحة للأفلام.
غير أن هذه السلاسل تقطعت بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023. فقد نقلت «فرانس 24» من كان أن منتج «كان يا ما كان في غزة» قال إنه واجه صعوبة في تمويل الفيلم بعد الهجمات التي قادتها حركة حماس، إذ سحب عدد من الشركاء — ومن بينهم دول عربية — أموالاً كانوا قد تعهدوا بها.
ويسير التوزيع على المنوال ذاته من التبعية. فحقوق «فلسطين 36» في العالم العربي آلت إلى شركة «ماد ديستريبيوشن»، وفق «الإمارات اليوم»، في حين أفادت «رويترز»، في تقرير نقلته «الشارقة 24»، بأن حقوق العرض في الولايات المتحدة وكندا بحوزة «ووترميلون بيكتشرز»، شركة التوزيع ذات الملكية الفلسطينية التي انطلقت في نيسان/أبريل 2024. وذكر موقع «إندي واير»
أن الشركة أطلقت منصة للبث تحت اسم «ووترميلون بلس»، تضم أعمالاً منها «من المسافة صفر» الذي رشحته فلسطين إلى الأوسكار عام 2025، إلى جانب «عمر» و«خمس كاميرات مكسورة» و«ذيب».
أما الفجوة التي جعلت وجود شركة كهذه ضرورة، فقد كشفتها قصة فيلم «لا أرض أخرى». فقد أوردت «فاريتي» أن الفيلم الوثائقي الفلسطيني الإسرائيلي حصل على عقود توزيع في 24 دولة، منها بريطانيا وفرنسا، لكنه لم يجد موزعاً أمريكياً راسخاً، وعُرض في صالات الولايات المتحدة دون موزع. وذكر «إندي واير»
أن الفيلم فاز بجائزة الأفلام الوثائقية في مهرجان برلين وبلغ القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار وهو لا يزال يفتقر إلى موزع أمريكي كبير. وقال المخرج المشارك يوفال أبراهام لصحيفة «نيويورك تايمز»، في تصريحات نقلتها «فوروورد»، إن ممانعة الموزعين قد تُفسّر برؤية ترى أن الموضوع «حساس».
وتعرّضت الصالات التي عرضته لضغوط رسمية. فقد أوردت «واشنطن بوست» في آذار/مارس 2025 أن رئيس بلدية ميامي بيتش سعى إلى وقف التمويل البلدي لصالة سينما مستقلة وإنهاء عقد إيجارها بعد عرضها الفيلم. وذكر موقع «هايبر أليرجيك»
أن القرار المقترح كان يهدف إلى إنهاء عقد الإيجار على عقار تملكه البلدية وسحب 80 ألف دولار من المنح العامة، وأن الصالة، بعد تراجع أولي، مضت في عرض الفيلم. ووصف رئيس البلدية ستيفن ماينر الفيلم بأنه «هجوم دعائي كاذب وأحادي الجانب على الشعب اليهودي»، وفق تقرير نقله «ياهو نيوز».
ثم سحب المقترح بعد جلسة حاشدة لمجلس المدينة، بحسب «إن بي سي نيوز». وقال دانيال تيلي، المحامي الذي يمثل الصالة، لموقع «بريزم»، إن الحكومة غير ملزمة بتمويل الفنون، لكنها إن فعلت فعليها الالتزام بالحياد تجاه وجهات النظر.
وضُغط على المهرجانات من أكثر من جهة. فقد أوردت «هوليوود ريبورتر»
أن مهرجان تورونتو السينمائي الدولي امتنع عن عرض فيلم وثائقي كندي عن السابع من تشرين الأول/أكتوبر بعنوان «الطريق بيننا»، بعد أن كان قد دعا مخرجه، ثم أعاده إلى برنامج دورة 2025، وقال مديره التنفيذي كاميرون بيلي إنه «ملتزم بالعمل مع صانع الفيلم لتلبية شروط العرض في المهرجان». ونقلت «سي بي سي نيوز»
وقوع احتجاجات في الشارع الرئيسي للمهرجان على خلفية العرض. وأفاد الموقع الإسرائيلي «ماكو» بإلغاء عرض للفيلم اللبناني «قضية رقم 23» في مهرجان «أيام سينمائية» في رام الله، بسبب اعتراضات على عمل سابق لمخرجه على خلفية التطبيع.
وللمال الرسمي شروطه هو أيضاً. فقد استعرض مقال رأي في «هآرتس» في تموز/يوليو مقطعاً دعائياً في الانتخابات التمهيدية قال فيه وزير الثقافة الإسرائيلي إن إصلاحه وضع حداً لأفلام «يحبها كارهو إسرائيل». ونقلت «واينت» تفاصيل خلاف أسبق حول فيلم مُوّل من جهات إسرائيلية وقُدّم بصفته فلسطينياً، كتب صنّاعه أنهم يعتبرون أنفسهم أقلية قومية فلسطينية في إسرائيل، ويتوقعون أن تعترف الأموال الإسرائيلية بهذه الهوية.
وفي غزة، لا تكمن مشكلة القطاع في التمويل بل في البقاء. فالصحفية المصوّرة فاطمة حسونة، وهي موضوع فيلم «ضع روحك على يدك وامشِ» للمخرجة سبيده فارسي، قُتلت في غارة إسرائيلية في 16 نيسان/أبريل 2025، أي في اليوم التالي للإعلان عن اختيار الفيلم في تظاهرة «أسيد»
الموازية لمهرجان كان، وفق بيان أصدره نحو 400 من العاملين في صناعة السينما استنكاراً للسلوك الإسرائيلي في غزة؛ وقتلت الغارة نفسها عشرة من أفراد عائلتها، بينهم شقيقتها الحامل. ولا يورد البيان أي تفسير عسكري إسرائيلي للغارة.
أما «من المسافة صفر»، المؤلف من 22 فيلماً قصيراً لصنّاع أفلام من داخل غزة، فقد أُنتج عبر «صندوق مشراوي للأفلام وصنّاع الأفلام في غزة» بالتعاون مع شركة «كوريجين برودكشن»، بحسب موقع «هايفن».
ولا يوجد في غزة مكان لعرض أي من ذلك. فقد أوردت «تايمز أوف إسرائيل» أن العروض هناك تعود إلى أربعينيات القرن الماضي وإلى «سينما السامر» التي احتضن مبناها لاحقاً معرضاً للسيارات، وأن صالات السينما أُجبرت على الإغلاق في أواخر ثمانينيات القرن الماضي خلال الانتفاضة الأولى، بعد حريق عام 1987 نُسب على نطاق واسع إلى إسلاميين.
وذكر موقع «ليت هَب» أن صالات «الأمير» و«السامر» و«النصر» تعرضت لهجمات وأُحرقت في منتصف التسعينيات. وكان آخر عرض عام مسجّل في «السامر» ليلة واحدة عام 2017، شاهد فيها نحو 300 شخص فيلماً عن الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وفق تقرير لوكالة «فرانس برس» نقلته «خليج تايمز».
وليس في السجل المنشور ما يثبت ما إذا كان في الإمكان تصوير المشاريع التسعة الممنوحة حديثاً في الأماكن التي تدور فيها أحداثها. كما لا يتضح ما إذا كانت سوق التوزيع الأمريكية قد انفتحت على الأعمال التي جاءت بعد «لا أرض أخرى».





