حكايات فلسطينية
عمر ياغي حمل طفولة اللجوء بلا ماء إلى نوبل الكيمياء
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
كان الصبي يتقاسم غرفة واحدة مع إخوته ومواشي البيت، في دار بعمّان يشحّ فيها الماء النظيف. وبعد ستين عاماً صارت الكيمياء التي اخترعها تنتزع ماء الشرب من هواء الصحراء.
وُلد عمر معنّس ياغي في التاسع من شباط/فبراير 1965 لعائلة فلسطينية لاجئة من المسمية، القرية الواقعة بين يافا والقدس التي غادرها أهله عام 1948. وكبر في الأردن في الازدحام الذي خلّفته النكبة، وفي الخامسة عشرة أرسله والده إلى الولايات المتحدة للدراسة وهو لا يكاد يعرف الإنجليزية.
بدأ في كلية هدسون فالي المجتمعية ونال درجتها المشاركة عام 1983، ثم بكالوريوس الكيمياء من جامعة ولاية نيويورك في ألباني عام 1985، ثم الدكتوراه من جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين عام 1990. ثم هارفارد، فجامعة ولاية أريزونا، فميشيغان، فكاليفورنيا في لوس أنجلوس، فبيركلي حيث يحمل رتبة أستاذ الجامعة.
ماذا بنى فعلاً#
أسّس ياغي حقلاً علمياً كاملاً. فالكيمياء الشبكية هي فنّ وصل لبنات جزيئية بروابط قوية في أطر بلورية مفتوحة — بنى مليئة بفراغ منتظم. وحين بدأ كان الوسط الكيميائي يعدّ ذلك مستحيلاً.
وبين عامي 1995 و1999 حوّل فضولاً مخبرياً هشّاً إلى «أطر معدنية-عضوية»: بلورات صلبة مساميّة على الدوام، ذات مساحة سطح داخلية هائلة. فالغرام الواحد من بعضها يحمل مساحة سطح داخلية تُقاس بآلاف الأمتار المربعة. ثم بنى أطراً عضوية تساهمية ثنائية الأبعاد عام 2005 وثلاثية الأبعاد عام 2007.
والتطبيقات تنبع من الفراغ نفسه. فمادة معظمها مسامّ منتظمة تستطيع خزن الغازات وفصلها وتحفيز التفاعلات داخلها — وانتزاع جزيئات الماء من هواء جافّ ثم إطلاقها بحرارة منخفضة لا أكثر. وأدرج المنتدى الاقتصادي العالمي حصاد الماء هذا ضمن أبرز عشر تقنيات ناشئة عام 2018.
الجوائز، والغرفة في عمّان#
جاءت جائزة وولف في الكيمياء عام 2018، وجائزة ألبرت أينشتاين العالمية للعلوم عام 2017، وجائزة الملك فيصل العالمية عام 2015، وجائزة غريغوري أمينوف عام 2019، وجائزتا تانغ وبالزان عام 2024. وفي 2025 تقاسم جائزة نوبل في الكيمياء مع ريتشارد روبسون وسوسومو كيتاغاوا، عن تطوير الأطر المعدنية-العضوية.
وأسّس شركات لنقل عمله من المختبر إلى الحياة: «أتوكو» عام 2020 لاحتجاز الكربون وحصاد الماء من الهواء، و«إتش تو موف» عام 2021 لتخزين الهيدروجين.
وليس من العاطفة في شيء أن نصل الغرفة في عمّان بحاصد الماء. فكيميائيّ كبر بلا ماء نظيف كافٍ أمضى عمره يبني مادة تأخذه من الهواء، والسيرة والعمل يجلسان في جملة واحدة دون افتعال.
لماذا تعنينا هذه السيرة هذا الأسبوع#
نشرت هذه الصحيفة أمس رحلة الماء اليومية لعائلة في غزة — المشي والطابور والستة لترات للفرد.
وأطر ياغي ليست حلاً لذلك. فأزمة الماء في غزة مصنوعة من محطات تحلية مدمّرة وأنابيب مقطوعة ووقود ممنوع، ولا مادة تُخترع في بيركلي تصلح خطاً كسره جيش. والتجمعات التي تفقد آبارها في الأغوار هذا الشهر تفقدها بالجرافات لا بقوانين الفيزياء.
لكن الرجل الذي فعل أكثر من أيّ حيّ اليوم ليصنع ماءً من هواء وُلد لأناس هُجّروا من قرية فلسطينية، في بيت لم يكن فيه ماء يكفي. يستحق هذا أن يُقال صريحاً، وبالنبرة التي يستحقها الإنجاز. السجل الفلسطيني يشمل هذا أيضاً.




