الرأي والتحليل
واشنطن قلّصت «الحرة» إلى غرفة أخبار رقمية.. فليتعلّم الإعلام الرسمي العربي
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
ظلّت «الحرة» إحدى وعشرين سنة أسهلَ نكتة في الإعلام العربي: قناة فضائية تدفع واشنطن ثمنها ولا يشاهدها أحد. هذا العام صار للنكتة فصل ثانٍ مزعج. هدمت الولايات المتحدة القناة، وأبقت على غرفة الأخبار، ثم أعادت بناءها كياناً أصغر وأرخص، وأكثر قراءةً، بحسب أرقامه هو، مما كان التلفزيون في يوم من أيامه.
للقارئ الفلسطيني ألف سبب ليرتاب في منبر يموّله الكونغرس كي يروي قصة أميركا. وليس له سبب واحد ليتجاهل الطريقة التي أُصلح بها، لأن كل عاصمة عربية تدفع ثمن الصحن اللاقط نفسه، ولم تجرؤ واحدة على إطفائه.
ماذا كانت واشنطن تشتري بمالها#
انطلقت القناة في شباط/فبراير 2004، بعد أحد عشر شهراً من غزو العراق، بموازنة أولى بلغت نحو 67 مليون دولار. وبحلول السنة المالية 2024 كانت الشركة الأم، «شبكة الشرق الأوسط للإرسال»، تنفق نحو مئة مليون دولار سنوياً، بحسب الوكالة الأميركية للإعلام العالمي التي تموّلها.
لم يلحق الجمهور بالمال. وجد تحقيق أجرته «بروبابليكا» مع برنامج «60 دقيقة» في شبكة «سي بي إس» عام 2008 أن القناة تجذب نحو اثنين في المئة من المشاهدين في الأسواق التي استطلعها، وشكّك تقرير لمجلس الشيوخ في السنة نفسها في جدواها وكلفتها معاً.
أما الوصول الأسبوعي، الذي قدّرته الشبكة بخمسة وثلاثين مليوناً عام 2005، فاستقرّ بين 25 و27 مليوناً طوال العقد المنتهي في 2022، أي أقل من تسعة في المئة من البالغين العرب، بحساب مركز الدبلوماسية العامة في جامعة جنوب كاليفورنيا. وزعمت الشبكة العام الماضي أنها تصل إلى 34 مليوناً أسبوعياً، ولم يتحقق أحد من خارجها من هذا الرقم قط.
الهدم#
جاء القطع على ضربتين، ولم تكن أيٌّ منهما خطة. في أيلول/سبتمبر 2024 فرض الكونغرس خفضاً بنحو عشرين مليون دولار، فسرّحت الشبكة 160 موظفاً، أي خُمس طاقمها، وضمّت «الحرة عراق» إلى القناة الرئيسية. ووعد رئيسها بالوكالة آنذاك جيفري غدمن بشبكة «أكثر رشاقة وكفاءة وخفة، وأكثر فاعلية في نهاية المطاف»، بحسب بيان الوكالة. وفي تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه صمتت «راديو سوا»، إذاعة الأغاني والعناوين التي انطلقت عام 2002.
ثم في 15 آذار/مارس 2025، بعد يوم واحد من إقرار الكونغرس أموال السنة، ألغت «وزارة الكفاءة الحكومية» في إدارة ترامب ومستشارة الرئيس في الوكالة كاري ليك منحة الشبكة. وفي 11 و12 نيسان/أبريل سرّحت الشبكة نحو تسعين في المئة من العاملين، وأبقت على ثلاثين شخصاً، وأوقفت بث «الحرة». وعلم موظفو دبي التسعة والتسعون جميعاً بفصلهم من بريد إلكتروني عنوانه «شكراً لخدمتكم»، بحسب وكالة فرانس برس.
«لا أجد إلا أن أستنتج أنها تحرمنا عمداً من المال الذي نحتاجه لدفع رواتبكم، أنتم موظفينا المخلصين المجتهدين»
جيفري غدمن عن كاري ليك، في رسائل إنهاء الخدمة إلى الموظفين، نيسان/أبريل 2025
كانت الكلفة البشرية حقيقية، ولم تُحسن غرفة الأخبار التعامل معها. نحو ستين من الصحافيين المسرّحين كانوا في الولايات المتحدة بتأشيرات عمل، وواجه خمسة وعشرون منهم على الأقل خطر الترحيل، بحسب «العربي الجديد». وقال موظفو دبي للصحيفة نفسها إن الشبكة لم تدفع لهم تعويضاً ولم تحجز لهم تذاكر العودة.
وقضى القاضي الفدرالي رويس لامبرث في 25 نيسان/أبريل بأن حجب الأموال مخالف للقانون على الأرجح، وأمر بإعادتها. وفي كانون الأول/ديسمبر ألغت الوكالة المنحة مرة ثانية بحجة أنها «لم تعد تحقق أولويات الوكالة»، فرفعت الشبكة دعوى جديدة. أما كم وصل الشبكةَ من مالها منذ ذلك الحين فليس معلوماً للعلن.
ما الذي نجا، وكم يكلّف الآن#
هنا الجزء الذي يستحق الغيرة. أبقى الثلاثون الباقون الموقع حيّاً، وخلال حرب إسرائيل وإيران في حزيران/يونيو 2025 أفادت «إذاعة أوروبا الحرة» بأن جمهور المنطقة تدفّق إلى موقع «الحرة» وحساباتها. أما الكونغرس، الذي طلبت منه الإدارة 153 مليون دولار لتصفية الوكالة كلها، فكتب لها 653 مليوناً في موازنة 2026، منها 69 مليوناً للشبكة، كما سجّلت مؤسسة كارنيغي في نيسان/أبريل.
ما اشتراه هذا المال ليس قناة تلفزيونية. في مذكرات ينشرها على موقع الشبكة يصف غدمن «غرفة أخبار رقمية أولاً تعمل بالذكاء الاصطناعي»: موقع جديد بالعربية والإنجليزية انطلق في 10 حزيران/يونيو، وأربع نشرات بريدية أسبوعية، وبودكاست، ومجلة للتحقيقات والرأي، وتطبيق، وفريق «للتهديدات الناشئة».
ويزعم غدمن أيضاً أن إعادة الهيكلة «وفّرت على دافع الضرائب الأميركي ملايين الدولارات» ومليوناً آخر سنوياً من الإيجار. وصارت الشبكة تعرّف نفسها بأنها «المصدر العربي أولاً للأخبار والتعليق الذي يصل الشرق الأوسط بالولايات المتحدة»، لا قناة على الإطلاق.
انزع العلامة التجارية يبقَ الحساب التالي: عملية فضائية بمئة مليون دولار وجمهور متوقف صارت منبراً رقمياً بتسعة وستين مليوناً، أكثر منتجاته قراءةً، بحسب قوله، نشرة عن إيران ونشرة عن واشنطن بالعربية. ذهب الصحن والاستوديوهات ومقر دبي وأجهزة إرسال الإذاعة كلها، وارتفعت أرقام القراء التي تعلنها الشبكة ولم تنخفض.
الصحن الذي لا يطفئه أحد#
انظر الآن إلى المنطقة. وقّعت الهيئة الوطنية للإعلام في مصر، وريثة مبنى «ماسبيرو» واتحاد الإذاعة والتلفزيون القديم، في 26 آب/أغسطس وبحضور رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اتفاقاً إطارياً لتسوية 88.3 مليار جنيه من الديون المتراكمة عبر نقل أراضٍ مملوكة للدولة إلى بنك الاستثمار القومي، بحسب موقع «أدفانسد تلفجن».
نحو 1.4 مليار يورو على هيئة عدّ موقع «المونيتور» عامليها بسبعة وثلاثين ألفاً قبل عقد، لقنوات هجرها جمهورها الشاب من قبل. فواحد وستون في المئة من الشباب العربي يأخذون أخبارهم اليوم من وسائل التواصل، و45 في المئة من التلفزيون، وفق استطلاع «أصداء بي سي دبليو» للشباب العربي.
لا تنشر «الجزيرة» حسابات. وحين هبط النفط عام 2016 قطعت الدوحة نحو 500 وظيفة من نحو 5200 في الشبكة، بحسب «غلف نيوز»، وحجم الدعم الذي يدفع رواتب الباقين سرّ من أسرار الدولة.
ودفع صندوق الاستثمارات العامة السعودي العام الماضي 7.46 مليار ريال، نحو ملياري دولار، مقابل 54 في المئة من مجموعة «إم بي سي» المالكة لقناة «العربية»، بحسب «عرب نيوز». وسلّمت «سكاي» في حزيران/يونيو كامل إدارة «سكاي نيوز عربية» إلى «إنترناشونال ميديا إنفستمنتس» في أبوظبي. أما شبكة الإعلام العراقي فلا تنشر بيانات مالية مدققة، كما يسجّل مرصد «ستيت ميديا مونيتور».
والأقرب إلى البيت: تموّل السلطة الفلسطينية هيئة الإذاعة والتلفزيون بالكامل، ولا تنشر الهيئة حسابات، وتتبع مشرفاً عاماً على الإعلام الرسمي يعيّنه الرئيس، كما يسجّل ملف المرصد لعام 2026. والرقم الوحيد المتداول، من جداول موازنة السلطة التي تنقلها صفحات متابعة رواتب القطاع العام، نحو 141 مليون شيقل سنوياً، منها 63 مليوناً رواتب.
تلك قناة تلفزيونية تدفع رواتب كاملة داخل سلطة لم تستطع أن تدفع لمعظم موظفيها سوى نصف راتب آذار/مارس، كما أورد موقع الهيئة نفسه يومها.
تعلّموه قبل أن يفعله بكم أحد#
ليس الدرس أن واشنطن كانت حكيمة. لم تكن: وجدت محكمة أن القطع مخالف للقانون، وكان التسريح قاسياً، وغرفة الأخبار الرقمية التي خرجت من الركام كانت ردّ فعل للبقاء لا تصميماً. وليس الدرس أن ما تنشره «الحرة» يستحق ثقة الفلسطينيين؛ فمهمتها، بعبارة الوكالة، «صوت أميركي مميز» و«ثقل موازن» لإيران والصين وروسيا، وسيحكم القارئ هنا على نصوصها جملةً جملة كما فعل دائماً.
الدرس في الآلة نفسها. تستطيع غرفة أخبار عربية تموّلها دولة أن تتخلى عن قناتها الفضائية واستوديوهاتها ومعظم رواتبها وتخرج بقرّاء أكثر، شرط أن يكون من بقي صحافيين، وأن تكون منتجاتهم، نشرات بريدية وبودكاست وموقعاً يفتح بسرعة، هي ما يفتحه الجمهور فعلاً. كل عاصمة عربية تعرف هذا، ولم تفعله واحدة، لأن القناة التلفزيونية نصب تذكاري والنشرة البريدية ليست كذلك.
كان دفاع غدمن عن شبكته أن «الإعلام في الشرق الأوسط يقتات على معاداة أميركا»، وأن قتل «الحرة» «سيفتح الميدان لخصوم أميركا والمتطرفين الإسلاميين». يستطيع القارئ العربي أن ينحّي سياسة هذه الجملة جانباً ويظل يسمع فيها التحذير الموجّه إلى إعلامه الرسمي هو: المال محدود، والجمهور انتقل من قبل، والخيار بين أن تطفئ الصحن بيدك أو تنتظر من يطفئه عنك ببريد إلكتروني.

