اقتصاد وإغاثة
سماسرة النقد في غزة يقتطعون حتى نصف الحوالة
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←
بالنسبة إلى من يرسل مالاً من الخارج، ليست رسوم التحويل هي الكلفة الحاسمة، بل ما يجري في الطرف الآخر حين يتعيّن تحويل رصيد رقمي إلى أوراق نقدية.
تراوحت العمولات التي يتقاضاها سماسرة النقد في غزة بين 15 و50 بالمئة من المبلغ المحوَّل، وفق مؤسسة الدراسات الفلسطينية. أما موقع Prism Reports، نقلاً عن «صدى نيوز» و«العربي الجديد»، فقدّر ذروة عمولات الصرف هذه — المعروفة محلياً بـ«التكييش» — بما يصل إلى 55 بالمئة خلال عام 2025.
وذكرت وكالة أسوشيتد برس، في تقرير نشرته «ديلي صباح» في تموز/يوليو 2025، أن عمولات السماسرة كانت نحو 5 بالمئة مع بداية الحرب قبل أن ترتفع في بعض الحالات إلى 40 بالمئة.
ولم تتوقف هذه النسب مع وقف إطلاق النار. فقد أوردت «الشرق الأوسط» في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 أن موظفاً في السلطة الفلسطينية بغزة كان لا يزال يدفع ما بين 18 و20 بالمئة لتجار ومحال صرافة لتحويل راتبه إلى نقد، بعد أسابيع من إعادة فتح فروع مصرفية.
والسبب شحّ الأوراق النقدية، لا شحّ الحوالات. فقد ذكرت «الشرق الأوسط» أن إسرائيل تمنع إدخال النقد إلى غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وأفاد موقع Truthout في نيسان/أبريل 2026 بأن بنك فلسطين استأنف عمله جزئياً في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2025، غير أنه اقتصر على المعاملات الإدارية دون أي حركة نقدية إلى القطاع، وأن إسرائيل واصلت منع سلطة النقد الفلسطينية من إدخال السيولة. ووجد البنك الدولي، في ما نقله موقع «حبر»
الأردني، أن نحو 93 بالمئة من الفروع المصرفية في غزة دُمّرت بحلول نهاية 2024، إلى جانب 88 بالمئة من مؤسسات التمويل الأصغر ومعظم مكاتب الصرافة. وأفاد مراسل TRT عربي في آب/أغسطس 2025 بأن أقل من خمسة صرافات آلية بقيت تعمل من أصل نحو 90 إلى 95.
ما يعمل فعلاً هو الشقّ الإلكتروني. فقد اتسع استخدام المحافظ الرقمية بصورة حادة، وباتت «بال باي» و«جوال باي» من أساليب المعاملات الأساسية في غزة، بحسب تقرير للمجلس الأطلسي في آذار/مارس 2026.
وأطلقت سلطة النقد الفلسطينية نظاماً للدفعات والتحويلات الفورية يربط المصارف وشركات الدفع، وقدّمت إطلاقه في غزة بسبب انهيار العمل المصرفي عبر الفروع، وفق ما نقلته وكالة «وفا» الرسمية في أيار/مايو 2024؛ ويصف تقييم لمنظمة العمل الدولية النظام بأنه يتيح تحويلات فورية بين المحافظ في مؤسسات مختلفة، وبين المحافظ والحسابات المصرفية. وتقول «بال باي»
على موقعها إن لديها 3500 وكيل معتمد.
على المرسلين أن يتعاملوا مع المحفظة بوصفها الوجهة، وأن يسألوا المستفيد قبل التحويل عن المحفظة والوكيل اللذين يستطيع الوصول إليهما فعلياً. وأشار المجلس الأطلسي إلى أن بيانات سلطة النقد تُظهر أن السحوبات النقدية لا تزال تهيمن على معاملات المحافظ، ما يعني عودة اقتطاع السمسار ما لم يتمكن المستفيد من إنفاق الرصيد مباشرة.
وتتوقف هذه الإمكانية على التجار. فقد ذكر موقع «مدى مصر» في تموز/يوليو 2026 أن 13 تاجراً يُدخلون البضائع إلى غزة يحددون عملياً أشكال الدفع التي يقبلها السوق، وأن كثيرين يرفضون الأوراق النقدية البالية أو التالفة؛ ووصفت مؤسسة الدراسات الفلسطينية أشخاصاً يكسبون نحو خمسة شواكل عن الورقة الواحدة مقابل ترميم العملة لتعود إلى التداول.
جرت محاولات لملاحقة السماسرة لكنها لم تسدّ الفجوة. فقد أوردت «الشرق الأوسط» أن سلطة النقد جمّدت مئات الحسابات المتاجرة بالعمولات. وأفادت قناة «الجزيرة» بالعربية في أيلول/سبتمبر 2025 بأن أجهزة أمنية في غزة داهمت عدداً من المتعاملين قبل أسابيع من ذلك، من دون أن تنهي الممارسة.
أما مسار منصات التبرع فتحكمه قيود من نوع آخر. ذكرت «فوربس» في تموز/يوليو 2026 أن منصة «غو فند مي»
لا تدعم صرف الأموال داخل غزة، وعرضت حالة حملة جمعت أكثر من 55 ألف جنيه إسترليني اقتطعت منها المنصة 3.9 بالمئة رسوماً، أي 2176.02 جنيهاً، على أن يذهب الرصيد إلى مستفيد مُسمّى في بلد مدعوم؛ وقال منظّم الحملة إن هذا الترتيب انهار لاحقاً. وتنص شروط «غو فند مي»
المنشورة على أنه في حال لم يُكمل المستفيد السحب خلال 120 يوماً من أول تبرع، يجوز للشركة، وفق تقديرها، إعادة الأموال إلى المتبرعين أو تحويلها إلى جهة غير ربحية موثّقة. وأوردت «الجزيرة» في حزيران/يونيو 2025 أن ناشطين اتهموا المنصة بعرقلة عمليات السحب المتصلة بفلسطين؛ وقالت «غو فند مي»
إن أكثر من 300 مليون دولار جُمعت لفلسطينيين وإسرائيليين منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، ولم تكشف عن حجم الأموال المجمّدة.
ويبقى «باي بال» مغلقاً أمام الفلسطينيين. فقد ذكر موقع «ميدل إيست آي» أن أعضاء في الكونغرس الأمريكي راسلوا الشركة عام 2023 بشأن إتاحة خدماتها في مستوطنات الضفة الغربية دون الفلسطينيين؛ وأفادت مجلة «واشنطن ريبورت أون ميدل إيست أفيرز» بأن الشركة تصنّف فلسطين ضمن المناطق عالية المخاطر.
وذكر موقع ImpactAlpha في أيار/مايو 2026 أن «شبكة المستثمرين اليهود» وجّهت رسالة علنية إلى مجلس إدارة «باي بال» في المسألة نفسها. وأوردت «رويترز» عام 2021 أن الشركة لم ترد على طلبات متكررة للتعليق.
الشقّ المتعلق بالضفة الغربية هو الأجدر بالمتابعة هذا الخريف. فقد ذكر تنظيم «جي ستريت» أن «بنك ديسكونت» الإسرائيلي أبلغ المصارف الفلسطينية في تموز/يوليو 2026 أنه سينهي خدمات المراسلة المصرفية في الأول من أيلول/سبتمبر، وأن «بنك هبوعليم»
يعتزم الخطوة ذاتها في الأول من تشرين الأول/أكتوبر، وكلاهما يعلل ذلك بغياب إعفاء طويل الأمد من المسؤولية؛ وفي حال تنفيذ القرارين تنقطع صلة المصارف الفلسطينية بالنظامين الإسرائيلي والدولي. ونقلت «تايمز أوف إسرائيل» أن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش وقّع إعفاءً يسري حتى نهاية 2026.
وعلى من يعتزم إجراء حوالة دولية إلى حساب مصرفي فلسطيني بعد هذين التاريخين أن يتأكد أولاً من المصرف المستقبِل بأن القناة مفتوحة.
التحقق من المصدر ضروري. فهيئة سوق رأس المال الفلسطينية تنشر قائمة محدّثة بالمنصات غير المرخّصة، وتحذّر — وفق ما نقله «صدى نيوز» في نيسان/أبريل 2026 — من أن أربع شركات مرخّصة فقط يجوز لها العمل في تداول العملات الأجنبية. وتحتفظ سلطة النقد بقائمة تجميد محلية تعيد نشرها منصة OpenSanctions. أما قنوات العملات المشفّرة والنقد الإلكتروني فيغطيها بشكل منفصل قسم «الحرية المالية» في غرفة الأخبار هذه.
ما يبقى معلّقاً: هل يمضي المصرفان الإسرائيليان في قراريهما في الأول من أيلول/سبتمبر والأول من تشرين الأول/أكتوبر، وهل يُسمح بإدخال أوراق نقدية إلى غزة أصلاً. وذكر «مدى مصر» أن سلطة النقد لم تبلغ الجمهور بما إذا كانت الأوراق البالية ستظل قابلة للاستبدال بعد الحرب. ولا يوجد في السجل العلني أي جدول زمني لضخّ نقدي.
