كل الأخبار ←🌐 English
عاجل

تايمز أوف فلسطين

سياسة ودبلوماسية

206 ملايين دولار.. واشنطن تموّل قوة غزة لا إعمارها

تايمز أوف فلسطين

206 ملايين دولار.. واشنطن تموّل قوة غزة لا إعمارها

حقوق الصورة: The Harry S. Truman Building, State Department headquarters, Washington — Wikimedia Commons / US Department of State, public domain · الترخيص

تقرير أصلي

تجمع غرفة الأخبار التغطيات من الوكالات والمصادر الأولية وتعيد صياغة كل مادة داخلياً قبل النشر. كيف نصنع صحافتنا ←

خرجت من وزارة الخارجية الأميركية رسالتان في الثلاثين من تموز/يوليو، وحصلت عليهما وكالة رويترز ونشرت مضمونهما الأربعاء، بعد ثلاثة أسابيع.

تسجّل الرسالتان أول مبلغ أميركي جدي تلتزم به واشنطن لخطة الرئيس دونالد ترامب في غزة. وهو كله مخصص لقوة مسلحة.

أبلغت الوزارة الكونغرس أنها ستقدّم 200 مليون دولار لقوة الاستقرار الدولية — القوة متعددة الجنسيات التي أجاز مجلس الأمن نشرها في القطاع — لتغطية معداتها وبنيتها التحتية ومركباتها وكلفة تشغيلها. وتضيف رسالة ثانية 6 ملايين دولار لإعادة تجهيز مدرعات أميركية لصالح القوة نفسها.

ذهبت الرسالتان إلى لجنتي الاعتمادات والشؤون الخارجية، وهما اللجنتان اللتان تمسكان بخيط المال. والإبلاغ خطوة تسبق إنفاق أموال سبق أن أقرّها الكونغرس على غرض جديد، وللجان مهلة تعترض خلالها، ولا يشير السجل العلني إلى أن أياً منها اعترض.

جاء في نص الإبلاغ، بحسب ما نقلته رويترز: «ستقود قوة الاستقرار الدولية العمليات الأمنية، وتدعم نزع السلاح الشامل، وتتيح إيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار إلى غزة بأمان».

أما المتحدث باسم الخارجية تومي بيغوت فوضع المبلغ في إطاره السياسي، إذ قال: «نحن ملتزمون بالتنفيذ الكامل لخطة السلام التاريخية المكوّنة من 21 بنداً التي طرحها الرئيس، وقوة الاستقرار الدولية ركن أساسي فيها».

الأرقام حين توضع جنباً إلى جنب#

المبلغ في ذاته ليس كبيراً. ما يستحق انتباه القارئ الفلسطيني هو ما يجاوره في الدفتر.

في العشرين من نيسان/أبريل نشر البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي تقديرهم المشترك لما تحتاجه غزة: أكثر من 71 مليار دولار على خمس سنوات. ويلتهم قطاع الإسكان وحده ما يتجاوز 16 مليار دولار من هذا الرقم.

أحصى التقدير 371,888 وحدة سكنية متضررة أو مدمّرة، أي أكثر من ثلاثة أرباع المخزون السكني في القطاع، ودُمّر نحو 85% منها بالكامل.

في المقابل تقف التعهدات. ففي الاجتماع التأسيسي لمجلس السلام بواشنطن في التاسع عشر من شباط/فبراير وعدت الدول الأعضاء بـ17 مليار دولار — ربع ما يحتاجه القطاع — وأعلن ترامب 10 مليارات منها باسم الولايات المتحدة.

ثم يأتي التسليم. قدّر تقرير مجلس السلام المرفوع إلى مجلس الأمن في الخامس عشر من أيار/مايو نسبة ما جرى تحويله فعلاً من تلك التعهدات بنحو 1%. وعلى هذا الحساب لم يتحرك من مجمل التعهدات الدولية سوى نحو 170 مليون دولار.

أي أن الـ206 ملايين التي أبلغت بها واشنطن الكونغرس للقوة تفوق كل ما وصل إلى إعمار غزة من العالم كله حتى أواخر الربيع.

دفتر غزة.. القوة مموّلة والبيوت لا — The Gaza ledger
دفتر غزة.. القوة مموّلة والبيوت لا — The Gaza ledger · Graphic: Times of Palestine

سجل صندوق الإعمار نفسه أقسى من ذلك. أفادت صحيفة فاينانشال تايمز في السابع والعشرين من أيار/مايو أن الحساب الذي يديره البنك الدولي لاستقبال التعهدات لم يتلقّ أي إيداع، وقال مصدر وصفته وكالة فرانس برس بالمطّلع على عمل المجلس الكلام ذاته في اليوم نفسه.

تحويل واحد تحرّك: أرسلت الإمارات 100 مليون دولار، ذهبت إلى تدريب الشرطة في غزة. المال الذي يسافر هو المال الأمني.

ما الذي تبنيه الـ206 ملايين#

قال مسؤول في مجلس السلام لرويترز، من دون الكشف عن اسمه، إن التمويل لازم لـ«بناء قاعدة للقوات داخل غزة ضمن مشاريع إعمار أخرى». ووصف المسؤول نفسه الأسبوعين الماضيين بأنهما شهدا «تقدماً كبيراً».

أما الـ6 ملايين فتشتري البند الأصغر والأوضح: تسع ناقلات جند مدرعة كانت مخصصة أصلاً لنيبال، حُوّلت وجهتها إلى قوة غزة، وسُمّيت ألبانيا وكوسوفو أول المستفيدين منها.

خمس دول التزمت حتى الآن بإرسال جنود — إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا — فيما تعهدت مصر والأردن بتدريب الشرطة الفلسطينية. وكان اللواء جاسبر جيفرز، قائد القوة، قد حدد قوامها المستهدف في شباط/فبراير بعشرين ألف جندي. وأجاز الكابينت الإسرائيلي في السادس والعشرين من تموز/يوليو دخول نحو مئتين منهم.

القاعدة والمشروع التجريبي الذي تخدمه هما الجزء الذي يلامس الأرض الفلسطينية مباشرة. ففي التاريخ ذاته أقرّت الحكومة الإسرائيلية مرحلة إعمار أولى في رفح: مساكن مؤقتة لعشرات الآلاف من الفلسطينيين، تُقام في منطقة ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، وتتولى اللجنة الوطنية لإدارة غزة — هيئة التكنوقراط التي عيّنها المجلس — ضبط الدخول والتدقيق الأمني بإسناد من القوة.

يمرّ كل ساكن بفحص أمني قبل أن يدخل. وهذا الشرط بالذات هو ما أثار الاعتراض، في غزة وفي القاهرة. فمصر، الجارة لرفح، تتعامل مع الخطة بحذر، إذ تقرأ في منطقة مسوّرة بالتدقيق عند الطرف الجنوبي من القطاع خطوة قد تنتهي بدفع الفلسطينيين نحو حدودها.

الجمود الذي يفترض أن يكسره المال#

يصل هذا الإنفاق فيما الخطة التي يموّلها متوقفة.

يتمسك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن تنزع حماس سلاحها بالكامل قبل أي انسحاب إضافي للجيش. وتتمسك حماس بأنها تسلّم السلاح على مراحل مع خروج ذلك الجيش. ولم يتزحزح أي من الطرفين عن جملته.

قضى جاريد كوشنر يوم الاثنين في القدس محاولاً ردم الفجوة، وخرج من دون أن يردمها. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين أن الخلاف تركّز على مواصلة إسرائيل غاراتها؛ فقد أبلغ كوشنر نتنياهو أنه لن يعترض على ضربات تستهدف تهديداً وشيكاً بالفعل، وطلب ألّا يُوسَّع تفسير هذا الاستثناء.

ومع ذلك تواصلت الغارات طوال الأسبوع. فقد قتلت إسرائيل ستة فلسطينيين في مقهى بميناء صيادي مدينة غزة، وتسعة آخرين في مركز للشرطة، بحسب المستشفيات والهلال الأحمر الفلسطيني وفق ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية وأميركية.

ولم يعلّق مجلس السلام على أي من الضربتين، ملتزماً الصمت الذي دأب عليه إزاء العمليات الإسرائيلية.

وقُتل أكثر من 1200 فلسطيني وأربعة جنود إسرائيليين في غزة منذ سريان وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر، وفق إحصاء وزارة الصحة في القطاع والجيش الإسرائيلي.

من يمسك بالمال#

للبنية التي يمرّ عبرها هذا الإنفاق نقّادها في واشنطن، وأشدّهم صراحةً باحثة فلسطينية أميركية.

كتبت زها حسن، الزميلة البارزة في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، مع زميلها تشارلز جونسون في السادس عشر من آذار/مارس أن ميثاق المجلس «يضع معظم الصلاحيات في يد شخص واحد، رئيس مجلس السلام دونالد ترامب، بصفته الشخصية»، وأن المجلس التنفيذي الذي يختاره وحده «يتحكم بالموازنات والحسابات المالية وعمليات الصرف».

ودعت الباحثة وزميلها إلى تمرير أموال الإعمار عبر آليات البنك الدولي القائمة بدلاً من ذلك، لما فيها من رقابة مالية ودور للسلطة الفلسطينية. ولا شيء في إبلاغَي تموز/يوليو يفعل ذلك.

انتباه واشنطن في هذه الأثناء متجه شرقاً. فحين سُئل ترامب الأربعاء عن استئناف محادثات مع طهران قال إن الوضع «جيد جداً» بما يسمح بالانتظار، ولم يزد على أنها قد تُستأنف «ربما في مرحلة ما»، بعد يوم واحد من نفيه وجود أي محادثات أصلاً.

حساب هذا الانشغال بالنسبة لغزة بسيط: إدارة دخلت شهرها السادس في حرب مع إيران موّلت الأداة التي ستضبط القطاع أمنياً، ولم تحرّك بعد المال الذي يعيد بناء شارع واحد فيه.

آخر الأخبار